لقاء مع معارض

 

الأستاذ قاسم السهلاني عضو المكتب السياسي لحزب الدعوة الإسلامية في العراق مارس العمل السياسي منذ الستينات حصل على شهادة البكالوريوس من  بغداد، واجه السلطات الغاشمة في العراق منذ تسلطها على رقاب الشعب العراقي عام 1968 وله نشاطات إعلامية وسياسية وجهادية متعددة ضمن التحرك الإسلامي التغييري الذي قاده حزب الدعوة الإسلامية في العراق..

هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية بسبب المضايقات والمطاردات الأمنية، حيث التحق بالجامعة هناك لغرض إكمال دراسته العليا إلا انه قطع دراسته بعد مرور عام عليها وذلك بسبب نشوب الحرب العراقية-الإيرانية لإيمانه بان الواجب يملي عليه أن يكون مع إخوانه الدعاة في ميادين المواجهة الملتهبة آنذاك. وبقي يواصل العمل السياسي المناهض للسلطة المستبدة في بغداد منذ وصوله إلى ارض المنفى والى الآن.

 

س1: الأستاذ السهلاني باعتباركم أحد طلائع حزب الدعوة الإسلامية وكوادره المتقدمة نرجو إعطاءنا صورة عن الواقع العراقي السلطوي ومستقبل هذا النظام الذي ارتكب أخطاء قاتلة منذ استلامه السلطة منذ عقدين من السنين والأسباب التي أسهمت في بقاء الطاغية في الحكم برغم توفر اكثر من عامل لإسقاطه؟

 

ج1:

بسم الله الرحمن الرحيم

نحن نرى أن الجهاز الحاكم في العراق جهازا فرديا ظالما متسلطا، التقت مصالحه في الهيمنة والنهب واستعباد الآخر، مع مصالح قوى الاستكبار العالمي الطامعة في الأرض على مستوى الموقع والخيرات والمتطلعة لمسخ ثقافة وعقيدة أبناء العراق.. ونتيجة لذلك وقع شعبنا الأبي بين سندان النظام ومطرقة أمريكا ومن شاركها السير في درب الظلم والعدوان.

أما ممارسات النظام اليوم فهي ذات الممارسات التي اعتمدها منذ اليوم الذي تمكن فيه من الإمساك بمقاليد السلطة، الممارسات القائمة على أساس تدمير كل ما يمكن أن يكون سببا في إضعافه.. تدمير كل ما يمكن أن يمثل شكلا من أشكال القوة، الفكرية، الاجتماعية، المالية، والسياسية للشعب، وبالتالي فان الواقع العراقي ينتقل كل يوم من سيئ إلى أسوأ..

ومن خلال ما أشرنا إليه آنفا يتضح إن ابرز العوامل التي ساهمت في بقاء الطاغية في الحكم هي:

- عمل السلطة الصدامية الدائم على إضعاف الشعب وحرمانه من كل الأدوات التي يمكنه الاستفادة منها في عملية المواجهة مع السلطة الجائرة وذلك على كافة المستويات والمجالات الإعلامية والمالية والسياسية.. إضافة إلى تدمير هيئات البناء الاجتماعي ومنظوماته القيميّة لغرض تمزيق وحدة الشعب والقضاء على كل شكل من أشكال التضامن والفعل والنشاط الجمعي..

- الدعم والتدخل الإقليمي والدولي لصالح النظام كلما برزت عوامل ضعفه وهزيمته، وهذا ما تجسد بشكل واضح خلال حربه ضد الجارة إيران، وكذلك أثناء الانتفاضة الشعبانية التي قام بها الشعب العراقي البطل والتي كادت أن تنهيه لولا دعم الداعمون وعلى رأسهم أمريكا.

- يضاف لذلك عدم تمكن قوى المعارضة العراقية - داخل البلد وخارجه - من تحقيق وحدتها أو وحدة فعلها ونشاطها الهادف للإطاحة بالسلطة الصدامية والتي اتفقت كل أطرافها على ضرورة الإطاحة بها.

أما عن مستقبله ومصيره، فهو ولا شك مرتبط بمدى قدرتنا كقوى معارضة على تحقيق الوحدة والتفاعل مع قطاعات الشعب المختلفة داخل الوطن لتصعيد حالة الرفض والمقاومة للنظام الفردي الغاشم، وكذلك بمدى قدرتنا على تفكيك علاقة الغرب بالنظام الصدامي.

 

س2: ما هي رؤية الإسلاميين وبالأخص حزب الدعوة الإسلامية عن المنطقة الآمنة سواء القائمة في الشمال فعلاً أو المفترض إقامتها في الجنوب؟

 

ج2:

أن تتحقق منطقة آمنة لأبناء شعبنا الفاقد للأمن منذ عقود طويلة من الزمن أمر طيب ونتمناه، إلا إننا في الوقت نفسه نعتقد إن من تتجه الأنظار إليهم لتحقيق ذلك ليست لديهم النوايا والإرادة الفعلية لتحقيقه، ذلك انهم هم من ساهم ومن أوسع الأبواب في تدمير البلد وقتل أبنائه، ولولا وضع يدهم بيد الطاغية وزمرته لما طال ليل العراق ولما استمر ضياع الأمن والحرمات فيه إلى الوقت الراهن

هذا من جانب، ومن جانب آخر فإننا نعتقد أن المنطقة الآمنة لا يمكن أن تؤتي أكلها ما لم يكن لكل القوى والفعاليات والشخصيات المعارضة دور في إدارتها وحمايتها، مع مراعاة الخصوصيات القومية والثقافية للمنطقة الآمنة.. نعم، لا يمكن أن تبقى المنطقة الآمنة آمنة ما لم تتجسد من خلالها حقيقة الإيمان بالتعددية السياسية والتنافس السلمي الإيجابي بين أطراف المعارضة.

 

س3 : كثر الحديث مؤخراً عن الحوار مع واشنطن من اجل إسقاط النظام في العراق وهناك اكثر من طرف في المعارضة العراقية اخذ يتحرك باتجاه أمريكا فما هو مقدار استجابتكم مع هذا الاتجاه الداعي للحوار وما هي جدية الأمريكان في مسألة إسقاط النظام العراقي؟

 

ج3:

السنوات المنصرمة، ومنذ الأيام الأولى لما سمي باحتلال الكويت أو حرب الخليج الثانية أكدت وبشكل قاطع أن لا توجه حقيقي لدى الأمريكان لإيذاء صدام ونظامه فضلا عن إسقاطه. من هنا فإننا لسنا مع الحوار الذي يفتقر إلى المقدمات أو العوامل التي تؤشر جدواه وإمكانية تمخضه عن خطوات ونتائج إيجابية منبثقة من صلب إطار موضوع الحوار نفسه. ومع ذلك فإننا لا نقف في طريق أحد ولا نتدخل في شؤون الآخرين إلا بالمقدار الذي نعتقد انه يساهم في تعزيز المواقف الصحيحة ويمنع إلحاق الضرر بأبناء شعبنا وامتنا. كما إننا نؤمن أن المواقف يمكن أن تتغير وتتبدل، وإذا ما حصل ذلك بالنسبة للأمريكان فان الأمر سيدرس وسيكون لنا موقف منسجم وطبيعة الموقف الجديد.

 

س4 : ثمة من يتهم المعارضة العراقية بالتمزق والتشرنق والتخندق, فمدى صحة هذا الاتهام وما هي السبل- على فرض صحة ذلك- التي تسهم في توحيد المعارضة وتوجيه مساراتها باتجاه التغيير الجاد في العراق؟

 

ج4:

تعدد القوى في ساحة أو ميدان العمل الواحد لا يعني السلب في كل الأحوال، فتارة هو عنوان للكثرة والتكامل والقوة، وذلك عندما يتحرك الأمر ضمن دائرة وحدة الفهم والتوجه والتخطيط والعمل. أما إذا تحرك في أجواء الاختلاف والبغض وتخندق البعض ضد البعض الآخر فانه ولا شك لا يعني السلب والضعف فقط وإنما الزوال وسوء العاقبة..

المعارضة العراقية لنظام حكم الطاغية صدام وزمرته الباغية ليست من لون واحد، فهي عقائد ومذاهب واتجاهات وأفهم سياسية مختلفة، ومن هنا تولدت صعوبة توحدها، لذلك فنحن نعتقد أنّ ما يمكن أن يساهم في تضييق مساحات الاختلاف ويؤدي إلى شكل من أشكال العمل الواحد أو المشترك هو تحركها من خلال إطارين، إسلامي وعلماني، تتحرك الفعاليات والأحزاب والشخصيات الإسلامية من جانب نحو تشكيل هيئة مشتركة ممثلة لهم جميعا، وتحرك الفعاليات والأحزاب والشخصيات العلمانية نحو تشكيل هيئة مشتركة مماثلة، بعدها يصار التوجه لتشكيل إطار وطني موحد معارض وذلك من خلال صيغة تحقق التقاء الهيئتين واتفاقهما على المشتركات وخصوصا أمر الإطاحة بالنظام الفردي التعسفي والإيمان بالتعددية السياسية في عراق ما بعد نظام الطاغية.

ونحن إن شاء الله ماضون في طريق إنجاز مشروع الإطار الوطني، المحقق لتوحيد جهود المعارضة وطاقات أبنائها البررة، وبما يعجل في خلاص شعبنا مما يعانيه من ألم ومرض وجوع وظلم وتقتيل.

 

س5: ان التحولات الهامة الجارية في العالم الذي يسير باتجاه القطبية الأحادية والعولمة ربما ستكون عائقاً أمام برنامج الإسلاميين في طبيعة الحكم القادم في العراق وخصوصاً ان ما قدمه الإسلاميون من تضحيات يستحق الاهتمام لما سوف يتمخض عن الشأن العراقي ما بعد صدام حسين فما هي استراتيجية حزب الدعوة الإسلامية على ضوء هذه المتغيرات والحقائق الراهنة؟

 

ج5:

القطبية الأحادية والعولمة وبقدر ما هي نتيجة طبيعية لحركة التطور الحاصلة في ميادين الاتصالات والتجارة والاقتصاد، فإنها كذلك مشروع أمريكي معلن للهيمنة على العالم والتحكم بنظمه ومؤسساته وثقافاته. وإذا كانت أبعاد العولمة المنبثقة عن حركة التطور العلمي مقبولة لدى الكثير فان العولمة كمشروع أمريكي تعتبر ظاهرة مرفوضة لكونها تسعى لتهميش دول العالم الثالث اقتصاديا ومسخها ثقافيا وعقائديا والهيمنة عليها سياسيا وعسكريا..

من هنا فإننا نرى أن الوضع المستقبلي للعراق يواجه نمطين من التحدي.. الأول هو العلاقة بين الأطراف والقوى الممثلة لمكونات الشعب العراقي المختلفة، ونحن نعتقد ان ما يمكن ان يعين في التغلب على هذا التحدي، هو الإيمان بان الشأن العراقي هو مسؤولية أبناء العراق جميعهم، وكذلك الإيمان بالتعددية السياسية واعتماد وسيلة الحوار الإيجابي بين الأطراف السياسية المختلفة، وحصول الشعب على حريته واعتماد آليات تمكنه من الاختيار وإعطاء الرأي المباشر في القضايا المصيرية والمسائل العليا التي تهم البلد، وهذا غاية ما نريد تحققه، ففي أجواء الحرية وتحمل المسؤولية يجد الإنسان نفسه ويكتشف العالم من حوله.

أما التحدي الثاني فهو العلاقة بين العراق ومحيطه الإقليمي المحكوم بالدولي، وهنا نعتقد ان طبيعة المعالجة الآنفة للتحدي الأول، وخصوصا فيما يتعلق بالوحدة الوطنية، تساهم بشكل كبير في معالجة الثاني، يضاف إليها التوجه لإقامة العلاقات مع دول الجوار والعالم على أساس من الصداقة والتعاون والتكامل وفق موازين المساواة والعدل والسلم وحقوق الإنسان التي أقرتها شرائع السماء وما أجمعت عليها الشعوب...

 

س6: ربما سوف يتأهل قصي الابن الأصغر لصدام إلى الحكم لوراثة أبيه كما هو جار من اداءات في الحكومات العربية من نمط توريث الأبناء بهدوء مقبول لم يستفز الشعوب العربية كثيراً فما هو مستقبل الحكم في العراق على فرض تم نقل السلطة إلى قصي الذي يمكن ان يقوم بإصلاحات شكلية وتغييرات صورية على نسيج السلطة الإجرامي فما هو موقفكم من هذه التصورات المفترضة؟

 

ج6:

قالوا إن الابن سر أبيه.. ومتابعة بسيطة لما قام ويقوم به الابن الأصغر للطاغية، يؤكد أن ما سيقوم به ربيب الجريمة والظلم قصي، عند تمكنه من المركز الأول في السلطة، والذي يسعى أبوه سوقه باتجاهه، فانه سوف لا يكون غير ما اعتاد أبوه وزمرته الباغية على القيام به بحق أبناء العراق الجريح. نعم إن المرحلة القادمة تستدعي القيام بنشاط عمراني وحركة اقتصادية، ولن يكون ذلك بسبب تطلع السلطة ورغبتها بتحسين أوضاع المواطنين وإنما كنتيجة لحاجة السوق في الدول الغربية واستجابة للشركات التي طال زمن انتظارها لجني ثمار ما عملته في حرب الخليج الثانية.. إنها ضرورات دورة الهدم والبناء التي يمارسها النظام الغربي الرأسمالي في دول العالم الثالث من اجل بقاء اقتصاده ناشطا..

من هنا قد يتزامن هذا الأمر مع مجيء قصي، فيتحرك إعلامه لتصويره كعطاء من عطاءات "القائد الجديد".. إلا إننا على ثقة بان شعبنا الأبي البطل لن ينطلي عليه ذلك وسيواصل الصراع والمواجهة مع الطغاة حتى يكتب الله له النصر المؤزر.

 

س7: المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق أريد منه منذ تأسيسه أن يكون الإطار الجامع لكل فصائل المعارضة الإسلامية إلا انه يلاحظ أن ثمة تحفظات لديكم من هذا الإطار وربما مواقف سلبية منه فما هو السبب؟ وهل يمكن أن يحقق المجلس الأعلى طموحاتكم كإسلاميين؟

 

ج7:

نحن نعتقد أن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق مر بمرحلتين أساسيتين، كما وانه لم يكن في أي مرحلة منهما إطارا جامعا لكل فصائل المعارضة الإسلامية العراقية ولا معبرا عن إرادتها. ففي مرحلته الأولى والتي انتظم خلالها في إطاره العديد من القوى الإسلامية كان القرار فيه محكوما للأسف بإرادة هيئة إيرانية عطلت القرار والفعل الإسلامي العراقي غير المنسجم مع فهمها وتصورها. وفي المرحلة الثانية اصبح المجلس خاضعا وبشكل تام لإرادة طرف واحد من أطراف المعارضة، الأمر الذي دفع الكثير من الإسلاميين المرتبطين به بشكل أو بآخر إلى الخروج منه أو تجميد علاقتهم به، وذلك لإيمانهم بان العمل المشترك يستدعي أول ما يستدعيه هو أن تأخذ جميع أطرافه المساحة الناسبة من المشاركة في دراسة وصياغة قراراته ومشاريعه وكذلك في الإدارة والتوجيه والنشاط الميداني وخصوصا بالنسبة من لهم القدرة على الفعل والتحرك والتأثير في ميادين الصراع المختلفة...

من هنا فإننا نعتقد أن الإطار الذي يكون فيه تمثيل فعلي لكل الإسلاميين، ويصنع القرار فيه من خلال تفاعل كل القناعات والإرادات المكونة له، ويشترك الجميع في إدارته وتنفيذ قراراته، من غير وصاية خارجية أو هيمنة داخلية، هو الإطار الصحيح المعبر عن طموحات كل الإسلاميين، وليكن اسمه ما يكون.

 

س8 : ما هي رؤيتكم إلى التعددية السياسية والدينية والعرقية في العراق وما هي تصوراتكم للفيدرالية؟

 

ج8:

أراد الله تبارك وتعالى للإنسان أن يكون مخلوقا حرا يختار لنفسه ما يشاء وهو يتحرك في ميادين الحياة المختلفة، وقد وضع تعالى مقابل حرية الاختيار تلك مسؤولية تعينه من جانب في الوصول لحسن الاختيار ومن جانب ثان تضعه في موقف الحساب واستحقاق الثواب أو العقاب. من هنا كان لا بد وان يقع الكثير من التباين والاختلاف بين الأفراد والجماعات، وخصوصا عندما يكون الأمر مرتبطا بالمسائل التي وقعت ضمن مساحات الفراغ التشريعي التي تركها تبارك وتعالى لقرار الإنسان بناءا لطبيعة تغيرها وتبدلها بضوء تبدل ظروف المكان والزمان. ويزداد ذلك الاختلاف والتباين بين الجماعات الإنسانية عندما تتعدد الديانات والأعراق وتختلف الثقافات.

شعبنا العراقي فيه ذلك النوع من التلون والتعدد السياسي والديني والعرقي، ونحن نعتقد أن القوانين والتشريعات والتقسيمات الإدارية المناسبة، التي تنبثق من خلال عملية اختيار تستند إلى الشرع والعلم والخبرة، يمارسها أبناء العراق جميعهم من خلال آليات مشروعة ومتفق عليها، يمكن أن تجعل من ذلك التعدد عنوان قوة ومنعة وتحافظ على وحد الشعب والوطن.

نعم نحن نعتقد أن البلد يمكن أن يقسم إلى مناطق إدارية جديدة تأخذ بنظر الاعتبار طبيعة المكونات المختلفة للشعب العراقي، وكذلك تحديد وتنفيذ البرامج الاجتماعية والتربوية والثقافية بحسبها وبما يعزز الوحدة الوطنية ويرسخ مبادئ وقيم الإسلام الذي هو دين غالبية أبناء العراق.