الثقافة السياسية

(1)

 

حزب الدعوة الإسلامية

المنطلق والمسار

 

  السيد هاشم الموسوي

 

 من إصدارات الدائرة الإعلامية –حزب الدعوة الإسلامية  

ربيع الثاني 1421 هـ-تموز 2000 م                            

**********************************************************************************************************************

 

بسم الله الرحمن الرحيم              

      المقدمة  :

(قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) 

  أربعة وأربعون عاما مضت على تأسيس حزب الدعوة الإسلامية ،تغيرت خلالها الخارطة السياسية للعالم وترك فيها التيار الشيوعي حلبة الصراع للمعسكر الغربي ،كما استطاعت الحركات الإسلامية والصحوة الإسلامية تغيير الخارطة السياسية للعالم الإسلامي ،وحققت الحركة الإسلامية العالمية نجاحات باهرة على صعيد طرح الإسلام كبديل لابد منه للحكم وإدارة شؤون الحياة .

وعلى الرغم من التضحيات والعقبات الكبيرة أمام هذا المشروع العظيم والطموح فإن المساحة الأوسع من أبناء الأمة الإسلامية يزداد ايمانها بالمطالبة به والتضحية في هذا السبيل ،وقد تحققت نجاحات مهمة في بعض البلدان الإسلامية فسقطت حكومات وظهرت دول تعمل على تطبيق الإسلام ،وتعتمده منهجا وشعارا .

كما تغيرت الأمة المسلمة في العراق في تطلعاتها وآمالها وطموحاتها ،واصبح الإسلام أملاً ،والحكومة الإسلامية مطلبا ضحى ويضحي من اجله الكثير من أبناء هذا الشعب المجاهد ،وأصبحت الحالة الإسلامية تيارا شعبيا اجبر حتى نظام السفاح صدام حسين على التمشدق بالدين واستعمال المفردات الإسلامية في محاولة لاستيعاب آثار الوعي والصحوة الإسلامية .

  ولقد كان لحزب الدعوة الإسلامية دور أساسي في إحداث هذه النقلة النوعية في حركة الأمة ووعيها ، واستطاع الدعاة من خلال جهادهم الفكري والثقافي والسياسي والجهادي أن يثيروا في الأمة وعيها وحماسها في الإيمان بالإسلام والدفاع عنه والمطالبة به كنظام شامل للحياة وللإدارة والحكم .وقدمت امتنا الإسلامية في العراق خيرة أبنائها في هذا الطريق فاستشهد الآلاف ،وملئت السجون والمعتقلات بالمؤمنين المجاهدين ،ولازال الجرح العراقي ينزف شهداءاً ومعتقلين من اجل الإسلام ،وازداد عطاء شعبنا واتسعت دائرة المواجهة فأصبحت شاملة مع اعتى نظام إجرامي في التاريخ المعاصر .

  ويصدر هذا الكراس وهو الأول من سلسلة سوف تصدر تباعا (إن شاء الله تعالى) ،لإيضاح ما خفي على الكثير من الناس بسبب التعتيم الإعلامي ،والتضليل والعمل المضاد ،وكذلك بسبب ما أحاط مقاطع مهمة من صراعنا من سرية وكتمان فرضتها ظروف العمل و المواجهة وحيثياتها ،وللتعريف بالدعوة فكرا وتاريخا وجهادا ،ولبيان نهجها وما تبتغيه.

نسأل الله التوفيق لذلك ، وهو- سبحانه - من وراء القصد.

ظروف التأسيس:

  خضع العالم الإسلامي عقودا عديدة للهيمنة الاستعمارية تمثلت في الاحتلال العسكري المسلح والغزو الفكري والهيمنة الاقتصادية والسياسية ولكي تثبت القوى الاستعمارية وجودها وتحكم سيطرتها استعانت بحكام محليين وسلطات عميلة تنفذ إرادتها وتعمـل علـى  إرهـاب الشعوب وتمرير المشاريع  الاستعمارية عليها وإبقائها تحت كابوس التخلف والاستبداد ، ومحاربة روح الوعي واليقظة والتحرر ، وعزل أجيال الأمة عن عقيـدتها ومبادئـها وقيمهـا الإسلامية ,وتكريس حالات الفرقة والخلاف العنصري والطائفي ، وافتعال مشاكل الحدود والنزاعـات الإقليمية فيما بينها ,واقتطاع فلسطين الإسلامية من جسم الوطن الإسلامي ، وزرع الكيان الصهيوني في قلب العـالم الإسـلامي ليكون محطة للقوى الاستعمارية تدار من خلاله عمليات الإغارة العسـكرية علـى المنطقـة ، وإدارة  عمليات التجسس والسيطرة الاقتصادية والسـياسية ,واشغال العالم العربي بالحروب والصـراعات واسـتهلاك طاقاته.

   وفي الوقـت الذي كـان فيه العـالم الإسـلامي ينوء بنير الاستعمار الأوربي،كان الأخطبوط الأمريكي يمتد عبر تركيز الهيمنة الاقتصادية لاسيما منابع النفط وتسويقه والتسلط على الأسواق التجارية والتسليحية كما كانت عملية الصراع السري المخابـراتي ومعركـة الانقـلابات العسـكرية بين الوجود البريطاني والأمريكي للسيطرة على المنطقـة الإسـلامية.

   في الوقت ذاته كان المد الشيوعي يكتسح العالم الإسلامي على شكل احتلال وضم الأراضي تحت الهيمنة السوفـيتية ، وتأسيس الأحزاب الشيوعية ونشر الفكر الماركسي في البلدان الإسلامية.

  وفي خضم هذا الصراع في سـاحة الوطن الإسلامي كان الضحية هو العالم الإسلامي والشعوب الإسلامية ..في حين كان المستفيد هو القوى الاستعمارية الأوربـية والأمريكيـة والسوفيتية والكيان الصهيوني ..لقد كانت فترة رهيبة مظلمة عاش فيها العالم الإسلامي محنة التخلف العلمي ، والخضوع للهيمنة الاستعمـارية ونهـب خيراتـه وطمس معالم هويته العقائدية ومحو شخصيته الحضارية المـتمثلة في قيم الإسلام ومبادئه وتاريخه.. وبشكل صار فيه أبناء المسلمين يخوضون معارك الصراع الفكري والدموي فيما بينهم ، ويعانون محنة الجوع والتشريد ،من اجل الانتماء إلى الفكر الغربي أو الفكر الماركسـي دون أن يعـوا حقيقـة المعركـة وانهم الضحايا يتصارعون نيابة عن الغزاة الطامعين .. وان لـهذه الأمـة مبادئها وقيمها ومنهج حضارتها الرائد ،  وان ما تمـلك من  فكر وحضارة وقيم ونظم يؤهلها لان تكون القائدة للبشرية والشهيدة على المسير ة التأريخية للإنسان المعاصر، فضلا عن استغنائها عن المبادئ والنظريات المسوقة في بورصة السياسة المخـتبئة خلفـها الأطمـاع ومخططـات الهيمنة

والاستعباد  .

   في ظلمات هذه  المحنة  كانت الخلايا  الحية ومراكز الوعي ومصادر الإشعاع في الأمة تواصل دورها   لاكتساح موجات الغزو والاحتلال والهيمنة الاستعمارية  بكـل أبعادها ، والعمل المتواصل على إعادة  الأمة إلى موقعها الحضاري  ودورها الطبيعي الرائد في مسيرة الإنسان على الأرض ، لتمارس دورها الذي حدده لها القرآن الكريم بقوله:

 (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا )..

   لقد كان في طليعة الوعي والكفاح العلماء والمفكرون الإسلاميون ...العلماء الذين قادوا عمليات الجهاد والتحرير ,ورجال الفكر الذين أيقظوا وعي الأمة وحسها الذاتي ..

  لقد كـانت الحوزة العلمية في النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية أهم مراكز الإشعاع  والمقاومة ,وفيها رجال قادوا معارك التـحرير ضد الاحتلال البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولى ..وفي ثورة العشرين الخالدة ..فكان  من قادة التحرير الشيرازي ، والحبوبي  ، والحيدري ، ومحمد الصدر ، وشيخ الشريعة ، والسيد محسن الحكيم ,والشيخ مهدي الخالصي ، والشيخ عبد الكريم الجزائري .وكان من رواد الإصلاح الفكري كوكبة من العلماء والفقهاء أمثال الشيخ البلاغي ، والسيد الشهرستاني ، و الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، والشيخ مهدي الخالصي ،  و الشيخ محمد رضا المظفر ، والشيخ محمد أمين زين الدين ، والشيخ عبد العزيز البدري ، والسيد محمد باقر الصدر وغيرهم .

     لقد كانت نداءات الإصلاح ، وجهود المصلحين تتكاثف وتتبلور على شـكل مشـاريع إصـلاحية من خلال الكتابة والتأليف ومنابر الوعـظ والمدارس والمعـاهد الـدينيـة ، والحفلات الخطابية والمنتديات الأدبية ، والمعارضة السياسية والمقالات الصحفية ...غير أن هذه الجهـود المخلصـة كان يعـوزها التكـامل والرؤية التغييـرية والمشـروع الشامل والتشخيص الأدق في بعض مواقفه ، وكان طبيعـيا إن  يبدأ الوعي ويسير ويتكامل.

      وكما كـان الوعـي الإسلامي والعمل من اجل إعـادة الإسـلام إلى الحيـاة  يسيـر في هذا المسار في العراق كان الوعي الإسلامي يسير أيضا بمستويات  متصاعدة  في بلدان العـالم الإسـلامي  في مصـر وإيـران  وباكستان وتركيا والأردن ولبنـان وفلسطـين والجزائر واندونيسيا والسودان وغيرها من بلدان العالم الإسلامي ..فظهر الكتاب والمفكرون الإسلاميون ،وأنشـأت الأحزاب والمنـظمات والجمعيات ، والمداس ودور النشر والصحافة الإسلامية .. تدعو لإقامة الإسلام منهجا للحياة وأساسا لبناء الفـرد والمجتمع والدولة والحضـارة ، وظهـر كتاب ومفكرون  أمثال الشهيد حسن البنا ، والسـيد محسـن الأمين ، والسيد عبد الحسين شرف الـدين ، والهضيـبي ، وإقبـال ، والمودودي ، وسيد قطب ، ومحمد قطب ، وعبد القادر عودة ، ومالـك بن نبــي ،والنبهاني ، والنورسي ، ونواب صفوي وغيرهم .

   في إطار هذه الظروف الصعبة والمعقدة التي كان يمر بها الوضـع الإسلامي في العراق كان هناك اتجاه آخر ، يعاكس اتجـاه الوعـي والتغيير الذي ينادي بإقامة المجتمع والدولة والحياة على أساس الإسلام ، ويرى التدخل في السياسة أمرا مرفوضا ، وان مـن التقـوى أن يبتعد المؤمنون عن العمل السياسي .. في ظل هذه الأوضـاع كان الشهيد الصدر يبرز ويأخذ موقعه العلمي في الحوزة العلمية ، وبالتحديد في فترة الخمسينات ، لقد كان نابغة الحـوزة العلمية , فقد بلغ مرحلة الاجتهاد في سن مبكر قبل أن يبلغ  العشرين من عمره وذلك إنجاز علمي لا يتحقق ألا للنوابغ الأفذاذ ..

       ومع تفتح نبوغه العلمي ، في إطار المدرسة الفقهية والأصولية ، تفتح وعيه للفقه والرسالة فوعاها بعمق , وفقه محتواها بوعي أصيل . لقد وعاها وعيا اجتماعيا وبنائيا , لذا شخص مسؤوليته في أن يعمل على بناء الحياة على أسـاس الشريعة ، وليسـت مسؤوليتـه محصـورة في بذل الجـهد لاستنباط الأحكام الشرعية ليجاب السـائل إن سـأل ، فان المسؤولية ذاتها تتشخص في وجوب استفراغ الوسع العملي في تصحيح مسـار الأمة ، وإحداث عملية التغيير وإعادة الإسلام إلى الحياة وبناء المجتمع والدولة والحضارة  على أساس قيم الإسلام وأحكامه ..وهكـذا فكر ونقـل فكره إلى ميدان التنفيذ .

      لقد انصب تفكير الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رض) على العمـل على إنقـاذ الأمة مما هي فيه من تخلف وركود وضياع وظلم واستبـداد وهيمنة المسـتعمر الكافر وأعادتها للإسلام العظيم ..وتفاعلت هذه الأفكار في نفسه , في الوقت الذي كان هناك طليعة من العلماء والمثقـفين الإسـلامييـن يحملون الهم والتفكير ذاته..

النواة  الأولى و قرار التأسيس:

   وشاء الله سبحانه أن تلتقي تلك الأفكار والجهود والارادات المخلصة ، ليولد المشروع على أسس علمية وفقهية وعملية منظمة وواضحة المعالم والسـير والأهداف . فتشخصت من خلال الحوار والمدارسة مبادئ أساسية هي :

1-أن الوضع الذي تعيشه الأمة الإسلامية لا يمكن أن يعالج بعمـل إصلاحـي جزئي , بل لابد من عمل تغييري شامل , لتغيير الفرد والمجتـمع بما فيه من أعراف وتقاليد وسلوك وقوانين ونظم ومفاهيم تخـالف الإسلام . وإعادة بناء الحياة على أساس الشريعة الإسلامية ، وهكـذا تبلـورت (نظرية التغيير ) كأسـاس للعمـل الاجتمـاعي والفكري والسياسي والسلوكي .

2-إن التغيـير يجـب أن ينطلق من قاعدة قوية وعناصر ، تتضح لديها الأفـكار والمفاهيم والثقافة والنظرية , وتلك هي الطليعة ليتحول العمل إلى تيـار اجتماعي وتغيير شامل في أوساط الأمة .

3-أن هذا العمل يحتاج إلى حزب عقـائدي منـظم ، يحمل الدعوة إلى الإسلام ، ويقو م على أسـاس نظريـة في العمل التغييري والسياسي والتنظيمي , وان يبنى على أسس فقهية .

4 -أن العمل السـياسي وبنـاء الدولـة هو جزء من مهمة الدعوة , وهو نتيجة طبيعية لعملها التغييري الذي ارتأت هذه النظرية أن يقسم عمل الدعوة إلى مراحل هي :

     أ - المرحلة الفكرية (التغييرية ) ، وهي مرحلـة البناء والتغيير التي يبنى فيها الفكر والدعاة والأمة ،بناء إسلامياً يؤهل للانتقال إلى المرحلة الثانية و السياسية.

    ب- المرحلة السياسية :وهي مرحلة العمل السياسي التي تنتقل بها الدعوة من المرحلة التغييرية ، بعد  أن جازت مرحلـة البناء الفـكري وإعـداد الدعاة  ، وتوعية الأمة وتثقيـفها بالثقـافة الإسلامية ، لتصبح قادرة على خوض عملية الصراع السياسي .. ونظرا لطبيعة الظروف والنظام الإرهابي الحاكم في العراق ، فقد تحول العمل في المرحلة السياسية في جانب منه إلى كفاح مسلح لردع عمليـا ت الإبادة الجماعية  ، ومكافـحة الإرهاب الدموي الذي مارسته أجهزة نظـام صدام حسين ضـد الدعاة والعاملين .

   ج-مرحلة إقامــة الدولة وتطبيق النظام والشريعة الإسلامية.

  وهكذا تبلورت نظرية تأسيس حزب إسلامي حمل اسمه من طبيعة عمله وأهدافه :( حزب الدعوة الإسلامية)واجتمعت النواة التأسيسية الأولى يوم 17 ربيع الأول سنة 1376هـ 1957م .وعقد هذا الاجتماع في كربـلاء  المقدسـة ، في دار إقامـة المرجع الديني الراحل آية الله العظمى السيد محسن الحكيم ـ أعلى الله مقامه ـ التي كان يقيم فيها عند زيارته لمدينة كربـلاء المقدسة .

 وتأسست النواة الأولى على شكل قيادة الحزب من ثمانية أشخاص وواصلت عملها على شكل تداول وبلورة للآراء حتى كان الانطلاق والانتشار بعد ثورة تموز1958التي قادها عبد الكريم قاسم ،وأستمر الشهيد الصدر محوراً للحركة ومصدراً للحيوية والعطاء الفكري والتوجيهي حتى أضطر تحت ضغط ظروف معينة من المحيط آنذاك إلى الإنسحاب عام 1960 وابلـغ قيادة الحزب بموجبات هذا الانسحاب وانه سيبقى يواصل توجيهه واتصاله بالحزب من خلال بعض العناصر القيادية  ... وقد تجسد التلاحم  بأروع صوره في عام 1979 في انتفاضة رجب عندما قاد الشهيد الصدر الموقف، وكان الدعاة طليعة هذه الانتفاضة..

 حزب الدعوة الإسلامية  مشروع حضاري:

من القضايا الأساسية التي يجب أن يعرفها الدعاة والأمة والآخرون،ان حزب الدعوة الاسلامية هو مشروع حضاري وليس تكتلاً سياسياً سواء صنف هذا الحزب حسب مصطلحات السياسة العلمانية-حزباً اصولياً- او لم يصنف.

انه مشروع دعوة وثقافة وحضارة ..فالدولة في مفهومه ، كما عرفها الشهيد الصدر في الأسس التي كتبها للدعوة في بدايات التأسيس،هي الأداة السياسية لتنفيذ الأهداف الإسلامية،فالسلطة والسياسة أداة وليس هدفا في مشروع الدعوة..

إن حزب الدعوة الإسلامية مشروع لحمل الدعوة إلى الإسلام،والهدف الأساس للإسلام هو بناء إنسانية الإنسان، وحماية الفطرة من تلويث البيئة الاجتماعية وإعادة بناء الذات الإنسانية، وتشكيل المجتمع والحياة على أساس من قيم  الإسلام الرفيعة ..وذلك يتطلب منهج فهم سليم للإسلام وللمجتمع  وللتطورات الإنسانية وللتأريخ والتراث والتفاعل مع الماضي والحاضر والمستقبل..

إن فهم الإسلام ،في أحد جوانبه يعني صياغة النظرية الإسلامية كبديل حضاري في مختلف جوانب الحياة.

إن المجتمع يبنى إنسانيا ًبشكل  أساسي على عدد من النظريات ومنها:

 * نظرية المعرفة ومنهج البحث والتفكير وكيفية فهم الإسلام

 * القاعدة العقيدية

 *النظرية الاجتماعية في تشكيل المجتمع وتطوره وتحصينه ، و فهم التأريخ والتراث

 * النظرية السلوكية

 * نظرية فهم الإنسان والانسانية والعلاقة مع الموجود المادي 

 * النظرية السياسية

 * النظرية الاقتصادية

 * نظرية التعامل مع الإبداع والطاقات الإنسانية

   إن دراسة وتحليل الفكر الذي بني على أساسه حزب الدعوة الاسلامية ، يؤكد أن هذا التشكيل الحضاري أسس على رؤية مستوعبة لهذه الحقائق وان لم يستكمل تنظيرها.

 إن الذين يفهمون حزب الدعوة الإسلامية تكتلاً سياسياً، سواء من المنتمين إلى صفوفه أو الذين يرصدونه من خارجه إنما يقعون في خطأ..ولابد لنا من أن نشير إلى أن مفهوم التكتل السياسي قد غلب على فهم بعض الدعاة، و وغابت عنه البنية الحقيقية والهدف الكبير لهذا الحزب الاسلامي..

 ويتضح التعريف الحقيقي للحزب في إحدى نشراته التي أصدرها تحت عنوان ( الاسم والشكل التنظيمي) جاء فيها:

(إن اسم الدعوة الإسلامية هو الاسم الطبيعي لعملنا والتعبير الشرعي عن واجبنا في دعوة الناس إلى الإسلام. ولا مانع أن نعبر عن أنفسنا بالحزب والحركة والتنظيم ، فنحن حزب الله ، و أنصار الله  ، وأنصار الإسلام ، ونحن حركة في المجتمع وتنظيم في العمل. وفي كل الحالات نحن دعاة إلى الإسلام ، وعملنا دعوة إلى الإسلام).

ثقافة الدعوة:

  إنطلق الحزب يشق طريقه ، ويواصل عمله التغييري والتربوي على أسس نظرية تنظيمية وفلسفة تغييريه ، ومنـهج فهم إسلامي أصيل للإسلام والأحداث العالمية والمحلية ، ورؤى متكاملة في فهم المجتمع ونظام الاقتصاد والسياسة.

     لقد تبنى الحزب ثقافة إسلامية لبناء شخصية الداعية والحزب وتغيير المجتمع كان الشهيد الصدر قد ثبـت أسسها ومعالمها كما تبنى الحزب تدريس كتب الشـهيد الصـدر في حلقـات الدعـوة (فلسفتنـا واقتصادنـا ورسالتنا  والمدرسة الإسلامية) كما كتب للحزب (33) أساسا بمثابة الدستور والنظرية العامة وقام بشرح (13)أساسا منها ...

   ثم نشطت الحركة الفكرية ، وبدأ الدعاة يدخلون ميــدان الكتابة والثقافة , فكانت مرحـلة السـتينات مرحلـة الوعي والخصوبة الثقافية ، والطرح العـلمي المبرمـج والحـوار الفكري الرصين  مع الثقافات الوافدة الماركسية والرأسمالـية والاشتراكية والوجودية ، والدعوات الإقليمية والعنصرية ، والشبهات المثارة ضد الفكر الإسلامي ، وقدرتـه على بناء المجتمع والدولة والحضارة ، واستيعاب التطور التكنولوجي والعلمي الهائل .

  ومما تبناه الحزب هو الانفتاح الثقافي الملتزم ، وعدم الاقتصار على ما تقدمه الدعوة من نشرات وكتـب وثقافة خاصة، فمما امتاز به حزب الدعوة الإسلامية هو الانفتاح على الفكر الإسلامي وعلى ما ينتجه المفكرون الإسلاميون جميعا ، واعتباره جزءا من ثقافة الداعية . شريطة الالتزام بالأصالة الإسلامية ..فكان الدعاة طليعة المجتمع الثقافية ، وخلايا عمل متواصلة الحركة والعطاء.

    لقد بدأ حزب الدعوة الإسلامية عمله منذ انطلاقته الأولى في صفوف المثقفـين ,في الجامعـات والمعـاهد والمدارس ، والحوزة العلمية (المدارس الدينية ) وكان اكثـر مـن تسعين بالمائة ممن ينضمون للحزب (في بداية انضمامهم ) من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين السابعة عشـرة والخامسة والعشرين . وهم من المثقفين حتى أطلق البعض (من غير الدعاة ) على حزب الدعوة الإسلامية اسم حزب النخبة . لذا كان الحزب كتلة هائلة من الحركيـة والنشـاط والانطـلاق المغير .

وقد حظي حزب الدعوة الإسلامية بتأييد واسع في أوساط الحوزة العلمية واهتمام المرجعية الدينية ، المتمثلة في مرحلة الستينات بالمرجع الديني الراحل آية الله العظمى السيد محسن الحكيم رحمه الله تعالى .كما حظي بتأييد وإسناد الآخرين من المراجع والمجتهدين رحمهم الله تعالى وقد ساهمت رعاية السيد الحكيم للوعي الإسلامي ، ولنشاط الدعاة آنذاك مساهمة فعالة في تنمية نشاط الدعاة ، وتعميق تيار الحركة .. ولقد تجسدت ابرز مجالات الرعايـة تـلك في فتـح المكتبات في مختلف مناطق العراق باسم مكتبة الحكيم العامة ,التي مقرها في النجف الأشرف . وكانت بمثابة المراكز الثقـافية للدعاة , ومقرات لانطلاق العمل والنشاط الإسلامي , وقد عمــلت على مدى اكثر من ثلاثـة عشـر عاما في مجال التوعيـة والتثقـيف والتفاعـل مع جماهير الأمة . فقد بدئ بفتح تلك المكتبات في بعض المناطق عام 1959م حتى تم إغلاقها من قبل سلطات حزب البعث الحاكم في أوائل السبعينات .

  مرتكزات فقهية في عمل الدعوة والدعاة :

إن الأيمان بهذه الرسالة يقتضي العمل بأحكــامها وقيمها والدعوة إليها ..فان معنى الإيمان بالله سبحــانـه وحبه والإخلاص له …هو الدعوة إليه وتوجيه الناس إلى معرفته وتوحيده والسير على نهجه  القويم .

"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ".

   يعتبر الأمر بالمعـروف والنهـي عن المنكر والجـهاد والدعوة إلى الإســلام مـن الواجبات الكفائية المقدسـة في الإسـلام فهــي الطـريق المؤديـة إلى الأيمان بالله ومقاومــة الكفر والانحـراف والجاهلية وهداية الإنسان وإحداث عمليـة التغيـير والتحـول الفــكري والسياسي والاجتماعي على أساس الإســلام .

  ومن الأمور المقررة في الفقه الإســـلامي ….إن مهمة الشارع المقدس هي بيان الأحكام فهو يبين لنـا الحــلال والحرام والواجب والصحيح والباطــل من الأعمال …الخ وليس من مهامه كمشرع إن يحدد الموضوعات  فتحديد الموضوعات هي من مهام المكلف كمكـلف عادي أو كولي أمر للمسلمين أو كحاكم يمارس القضاء .

  ويقرر الفقه الإسلامي إن أداء الواجب الكفائي إذا عجز عنه فرد أو أفـراد وجب عليهم إن يكونوا جماعة للقيام بهذا الواجب بقدر الكفاية .وعلى كل مكلف إن يستجيب لمن يطلب منه النصرة لتغيير المنكر والباطل سواءاً كان هـذا  الطلـب صادراً من الحاكم الشرعي المتصدي أو من فئة أو فرد من الآمريــن بالمعروف والناهين عن المنكر والداعين إلى الله ..

"يا قومنا أجيبوا داعي الله إذا دعاكم "

 "والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون "
"من سمع رجلا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم ".

كما يقرر الفقه الإسلامي أن المكلف هو المسؤول عن تشخيص الأسلوب والطريقة التي يؤدي بها واجبه الشــرعي في هذا المجال وليس هناك أسلوب محدد لأداء الواجب الشـرعي في عملية الأمر بالمعــروف والنهـي عن المنكر والدعوة إلى الإسلام والجهاد في سبيل الله  .إلا بحدود عدم مخالفة الأحكام الشرعية .فله أن يختار أي أسلوب أو وسيلة يراها مناسبة.فله أن يؤدي واجبه عن  طريق المنبر والكتابة والجمعية والحزب ومن خلال السلطة الشرعية الحاكمة …الخ .

  ولابد من الإشارة هنا إلى التفريــق بين مرحلتــين من المراحل التي تدعو الضرورة فيها إلى تشكــيل الحـزب أو المنظمة ، وهما مرحلة وجود دولة إسلامية ،ومرحلة لا تـوجد فيها دولة إسلامية ، فمع وجود دولة إسلامية في تلك المـساحة التي تدعو الضرورة إلى إنشاء حزب أو منظمة إسلامية فيها فان العمل السياسي هذا يخضع لقانون تنظيم الأحزاب والعمل السياسي الذي تتبناه السلطة الشرعية .

    أما إذا لم تكن هناك دولة إسلامية تمارس مهــامها فان تشكيل الحزب أو المنظمة لا يحتاج إلى الإذن الشرعي إلا إذا ترتب على هذا التشكيل تبعات تحتاج إلى الاستئذان الشرعي كالقتل والجرح والسجن ..الخ .

الداعية والموقف الفقهي :

إذا دعت الضرورة إلى تشكيل حزب سياسي إسلامي للدفاع عن الإسلام والدعوة إلى إقامته صار تشكـيل هذا الحـزب واجبا لأنه يصير مقدمة لأداء واجب من أسـمى الواجـبات الشرعية

  "واعدوا لهم ما استطعتم من قوة "

 وكما هو واضح لدى الأمة والدعاة المجاهدين– حفظهم الله – أن فئة من العلماء والمثقفين الرساليين والغيارى على رسالة الإسلام وأمة التوحيد قد شخصت الحاجة إلى وجــود حزب إسلامي منظم يقوم على الأسـس الشـرعية ،ويلتزم بأحكام الشريعة المقدسة ، ويدعو إلى إقامة المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية ويدافع عن مقدسات الإسلام …وكان في مقدمـة أولئك الرواد الشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر-أعلى الله مقامه-.

فتأسس على أساس هذا التشخيص حزب الدعوة الإسلامية ،وشق طريقه ، بحمد الله على نهج إسلامي قويم ودعوة ملتزمة بأحكام الشريعة، فضم الدعاة الملتزمين واعتبر الالتزام شرطا أساسيا في قبول عضوية من يريد الانتمـاء إلى صفوف هذا الحزب المجاهد …بل ويواصل هذا الحـزب توجيه السلوك الاجتماعي للدعاة ،كما يواصل توجيه سلوك الدعاة المنظمين في صفوفه نحو المستوى الشرعي الأرقى عمـلا بقاعـدة الأمر بالمعروف ،وضرورة تكامل شخصية الداعية ،وتساميها الإيماني ويؤكد من خلال نشراته على ضرورة مطابقة عمل الحزب ومواقفه السياسية والجهادية والمالية وسائر تصرفاته ومتبنياته الفكرية مع أحكام الشريعة وقيمها المقدسة.

    إن الدعاة مجموعة من المكلفين المقلدين –إلا نادرا-لذا فكل داعية منهم يرجع إلى الفقيه الذي يقلده ..وإذا حصل وأن أتخذ الحزب موقفاً معيناً أو كلف الداعية تكليفاً معيناً يرى فيه مشكلة فقهية فالداعية في هذه الحالة يعمل وفق رأي مقلده ويرجع إليه ..ولــه أن يعتذر إذا وجده مخالفا لآراء مقلده الفقهية .ولم يجد مجالاً شرعيا للعمل به .

   وثمة قضية فقهية أخرى تحتاج إلى إيضاح وهي أننا نسمع من يسأل :هل تتبنى الدعوة هذا الرأي الفقهي أو لا تتبناه ؟وما موقف الدعوة الفقهي من هذه القضية أو تلك ؟والجواب على هذه الأسئلة من القضايا الواضحة فالفتوى هي :

  من صلاحيـة الفقيه الجامع للشرائط ..والحكم الشرعي ، كما هو واضح صـادر عن دليله ويعمل به على أساس الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط ..ولا معنى لكلمة التبني في الفقه الإسلامي …وليس من شـأن الحــزب -كحزب- الاستنباط الفقهي ،والدعاة الحزبيـون يعملون بالآراء الفقهية كما يعمل غيرهم من المكلفين غير المنظمين …فيكون رأيهم الفقهي هو رأي من يقلدونه من الفقهاء .

وهناك شبهات تثار حول عمل العاملين في صفوف الحزب الإسلامي المنظم "مفادها أن الانضمام إلى صـفوف حزب إسلامي يعني ولاية الحــزب على ذلك العضو العامل في صفوفه وهي ولاية غير شرعية ".

  أن في إثـارة تلك الشـبهة خلط وسوء فهم لمعنى كل من الحزب الإسلامي و(ولاية الأمر) فولاية أمر المسلمين هي من اختصاص ولي  الأمر المتصدي لقيادة الأمة ، وولي الأمر هو المخول بإصدار القرارات الولائيـة ويصدر الالزامات إلى الآخرين ، والحزب  لا يمارس مثل هذه المهمة ، لأنه لا يتعامل كسلطة  …بل الحزب الإســلامي عبارة عن تجمـع منظم للعامــلين للإسـلام يديرون عملهم على أساس القيام بمهمة الأمر بالمعـروف ،والنهي عن المنـكر ،والدفاع عن الإسلام في الحدود التي ليس فيها أمر ولائي ، ولا تصـرف بصلاحية ولائية  بعد أن التـزم الجميع انطلاقـا من واجـب القيـام بالمسؤولية الشرعية ،وتعاهدوا على تنظيم أمرهم ،وتنفيذ كل ما من شأنه تحقيق المصلحة الإسلامية .

وهكذا نجد أن الدعوة وضحت القضية الفقهية المتعلقة بعمل الدعاة كالآتي : 

1-أن الداعية يلتزم برأي الفقيه الذي يقلـده في المسائل الشرعية التي تطرأ له بسبب تكاليفه الحزبية .

2-أن الولاية الفعلية هي لمن يتولى أمر المسلمين الجامــع لشرائط الولاية ،وان أفراد الحركة هم جزء من الأمة وشأنهم في ذلك شأن غيرهم من أبناء الأمة تسري عليهم ولاية ولي الأمر وقراراته .

3-عندما تحتاج بعض أعمال الحركة للإذن الشرعي ..تسعى الدعوة للحصول على ذلك الأذن من ولــي الأمر الفـعلي باعتباره الحاكم الشرعي المتصدي وفي حالة تعذر الحصول على هذا الأذن من ولي الأمر الفعلي تلجأ لاستئذان أي فقيه جامع للشرائط  عارف بشؤون المجتمع ،ومهتم بأموره .

4-إن مهمة الحزب الإسلامي هي الدعوة إلى الإسلام ،والعمل على تطبيق أحكام الشريعة ،ومواجهة الانحراف والطغيان والظلم والفساد السياسي 

الدعوة ومسار الصراع:

   يمثل جهـاد الدعوة وصراعها ودورها الرسالي  فصلاً مضـيئاً من تاريخ أمتنـا..وقد يكون خافياً على الكثير من الناس بسبب التعتيم الإعلامي والتضليل والعمل المضاد من قبل العناصـر والخـطوط المشبوهة . . التي ليس بوسع الأغطية والشعارات أن تغطي ارتباطها .. إلا أن الحقيقـة الناصعـة سينطلق بها التأريخ وان طال صمته .. والحـق  سيتجلى وإن غمره موج الظـلام .. ستعرف أمتنـا الدور التاريخي الذي تحملت أعباءه هذه الحركة ، والجهاد الدامي الذي خاضته طوال ثلاثة وأربعين عاما ًمن الدعوة إلى الله سبحانه والكفاح المرير في سبيله ، وما أحدثته من وعي وتغيير.

    ونحن إذ ندون قبسات من تأريخ الدعـوة وجهاد الدعاة .. ونقاء هذه الحركة .. وكفاحها المشرق ..لا نرجو من أحد جزاءا ولا شكورا ، ولا نطلـب بذلك الثناء ولا الإقرار من أحد من الناس بما قام وما زال يقوم به الدعاة والمجاهدون .

 (من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا).

  إلا إن الضرورة التاريخية ومرحلة الصراع السياسي ، ومستقبل الصراع ووجود الخطط والاطروحات الاستعمارية ومحاولة العناصر والخطوط المشبوهة طمس معـالم الحركة الإسلامية المخلصة ،وتزييف حقيقة الصراع والجهـاد الذي يخوضه المخلصون والعاملون  ..وتحـرك الوضع الدولي، والاهتمـام بمستقبل الوضـع السياسي في العـراق ... ودواعي سياسية وجهادية أخرى ، تدعـونا أن نعرض النقاط الحساسة ونشـرح بعض صور الصراع للدعـاة المجاهديـن ولأبنـاء امتنا الأوفياء ، الذين تفاعلوا مع هذه الحركة وشاطروا إخوانهم العاملين في صفوفها الآلام والمحن على طول خط المسـير ..فقد كان تفاعل جمـاهير الأمة ، ومساندة المخلصين من حملة الوعي الإسلامي الذين يقفون إلى جـانب جهاد الدعوة رائعا وفذا ..

   لقد مثـل ميلاد حـزب الدعوة الإسلامية نقلـة نوعية في الوسـط الاجتمــاعي البعيد عن الوعي والحس السياسـي الإسلامي . أن أجواء الركود وانتشار الفكر اللاديني  و مخلفات الاستعمار ، والبعد عن الإسلام ، والجهل بمفاهيمه ومناهجه الاجتماعية والسياسية، قد أوجد أمام حزب الدعوة الإسلامية والدعاة الإسلاميين تركات ثقيلة.

  لقد كـان دور حـزب الدعوة الإسلامية، خلال  الفترة منذ انقلاب عبد الكـريم قاسـم وعلى طول امتداد حكمه والعهد العـارفي ، بالتعاون مع المرجعية الدينية والعلماء والعاملين ، هو نشر الوعي الإسلامي  والثقافة الإسلامية ، وتربية جيل من الدعاة ، وتوعيـة الأمـة بشتى الوسائل الفكرية والثقافية ..كالمكتبات العامة والندوات والاحتفالات والكتابة والخطابة والنشر ..والمدارس الإسلامية ..الخ لأحداث عملية التغيير وتهيئة الجو والمناخ  المناسب .وكانـت النتيـجة أن تكـون وتعاظم تيار الوعي الإسلامي والثقافة الإسلامية ، وانضمت أعداد من العلماء وطلاب العلوم الدينية ، والطلبة والجامعيين و العسكريين والخطباء والمثقفين و الكسبة والعمال والفلاحين إلى صفوف هذه الحركة .

وفي عام 1963 عندما بدأت المواجهة بين الحركة الإسلامية في إيران بقيادة المرجع الديني الإمام الخميني رحمه الله تعالى كان الدعاة يقومون بتوزيع المنشورات التي تتحدث عن مواقف الثوار والمواجهات الدموية في الشوارع بين أجهزة السافاك و بين الجماهير الذين يساندون الثورة و يشرحون أبعادها و يعرفون بها في العراق ...

وعندما استقر الإمام الخميني بعد نفيه من إيران في النجف وشرع يبحث الحكومة الإسلامية راح الدعاة  يحملون هذا الكتاب ويقومون بدراسته وتوزيعه والترويج له ...

وعندما استشهد السيد مصطفى الخميني نجل الإمام الخميني , رحمهما الله تعالى...في النجف الاشرف في عام 1978 م فكانت شهادته السبب الأساسي في اندلاع التظاهرات  والمواجهات ضد نظام الشاه والتي تطورت فيما بعد إلى ثورة شعبية عارمة أطاحت بنظام الشاه.. عندما استشهد السيد مصطفى الخميني(رحمه الله) أقام الدعاة السجناء مجلس الفاتحة  والترحم على روحه الطاهرة في سجن الفضيلية.

 وتواصل تفاعل حزب الدعوة الإسلامية مع الثورة الإسلامية في إيران أبان قيامها وبعد انتصارها ، ومساندتها والوقوف إلى جنبها..فهاجر الكثير من الدعاة بسبب الاضطهاد وعمليات القتل والإبادة ..هاجروا من العراق إلى إيران وأقاموا فيها ..ومنذ عام  1980م قام حزب الدعوة الإسلامية بتنظيم صفوفه في المهجر ليواصل عمله في داخل العراق ، فكانت الجمهورية الإسلامية هي القاعدة الأساسية لتنظيم حزب الدعوة الإسلامية في خارج العراق..

لقد وجد الاستعمار وأجهزته والنظام العارفي أنفسهم وخصوصا أيام عبد الرحمن عارف أمام قوة  إسلامية تتكون من:

1-المرجعية الدينية التي تعارض النظام القائم ، وان لم تقرر مواقف الصـدام والمجابهة الحاسمـة معه ..وتتبنى أسلوب النصيحة أحيانا ً والمقاطعة أحيانا أخرى .

2-حركة إسلامية منظمة ((حزب الدعوة الإسلامية )) ، كما كانـت هنـاك حركة الأخوان المسلمين التي تتمتـع بوجود حركـي يؤثر في مسـاحة من الرأي العـام العـراقي أيضا ،وحـزب التحرير رغم ضيق مساحة تأثيره الشعبي.

3- تيار شعبـي مؤيد للمرجعية والحركة الإسلامية. وواضح أن الحكم العارفي كان حكما ضعيفا ..وكانت قوى الاستعمار قد أدركت أن هذا النظام إذا استمر بقاؤه لن يستطيع  مقاومة

 الحركة الإسـلامية المتعاظمة ، وان التيار الإسلامي على وشك الدخول في صراع ضد الوضع السياسي القائم ..

  وقد صدرت مواقف وتصريحات من مسؤولين وسياسيين وأحزاب كشفت هذه الحقيقة ،نذكر بعضا منها لتحديد معالم الصراع السياسي في العراق بين حزب الدعوة الإسـلامية وبين المخابرات البريطانية والأمريـكية التي أنابت حـزب البعـث  الحاكم في بغداد عنها في هذه المهمة ،بعد أن تأكد لديها عجز نظـام عبد الرحمـن عـارف عن السيطرة على الوضع السيـاسي فـي العـراق .ظـهر أول تصـريح أيام عبد السـلام عـارف لأحد مد راء الأمن ..تحدث به لأحد معارفه ، وهو الداعية  والكاتب الإسلامي الشهيد السيد طاهر أبو رغيف الذي اغتاله البعثيون بحادثـة دهس قرب مديرية أمن البصرة... نقل إليه مدير أمن أحد المحافظات وقتها خبراً قال فيه :(( أننا نعلم وثابت لدوائر الأمن وجود حزب إسلامي منظم ..وكان يسميه يومها (الحزب الفاطمي ) لعدم انكشاف أسم حزب الدعوة الإسلامية .. فسأله الشهيد :وما موقفكم منه ..فأجاب :أننـا حائـرون أمامه وعاجزون عن ضربه ..))

وحدث بعد هذا التصريح بفترة أن أقامت جماعة العلماء في بغداد وجل شخصياتها من العلماء العاملين في حزب الدعوة الإسلامية حفلا ً إسلاميا كبيرا بمناسبة المولد النبوي الشريف في جامع براثا في العطيفية في بغداد عام 1386هـ (1967م)..ونقل الحفل عن طريق إذاعة بغداد ،واتسم الحفل بالهجوم والتعنيف للسلطة والسياسة القائمة فأثار هذا الموقف وحسس الدوائر الاستعمارية المشرفة على تخطيط السياسة في العراق وصدر عقيـب الحفـل تصـريح ينذر بالخطـر فقد التـقى أحد السياسيين المعروفيـن بولائـهم للإنكليز بشخص ونقل هذا الشخص التصريح للشهيد عدنان سلمان الذي نقل ـبدوره الخبر إلى الحـركة ،والذي كان مفـاده ((أن التيار الإسلامي أصبح خطرا في العراق ،وان هذه الجماعة ستضرب بعنف ،ثم علق السياسي الناقل :أن المخابرات  البريطانية ستضربكم ،فقد أصبحتم أقوياء (تخوفون )  )).

وحين اشتد ساعد التيار الإسلامي وبدا قوة ترهب الاستعمار ،وبدا النظام العارفي ضعيفا أمامه كان الأمريكان الذين تبنوا هذا النظام غير مطمئنين على قدرته على حماية نفسه … فأضطر هذا الإحساس السفير الأمريكي  ببغـداد أن يتوجـه بنفسه إلى المرجع الديني آية الله العظمى السيد محسن الحكيم –أعلى الله مقامه - ..وفوجـئ السيد الحكيم بالسـفير يدخل عليه وهو في غـرفة الاستقبال ..فقيـل له أن هذا السـفير الأمريكي والذي كان معـه  جملـة من المسـؤولين ..

    وقد وجه السفير الأمريكي سؤاله للسيد الحكيم –أعلى الله مقامه – ماذا تريـدون من الحكومة القائمة ؟ ولم تعارضونها ؟ ثم حاول أن يؤكد أن ذلك الوضع هو افضل صورة للوضع السياسي في العراق ..فصمـت السـيد الحكيم ولم يرد عليه ..إلا انه مد يـده إلى كتابين كانا إلى جانبـه ،وهمـا منهاج الصالحين (ج 1 وج 2) فسلمهما للسفير الأمريكي ،قال له :هذا ما نريد ..

    خرج السفير الأمريكي ...وهو يتصـور انه قد استطاع العثور على هدف الزيارة ..إلا انه فوجـئ بالقـول من قبل بعض مرافقيه :أن هذه رسـالة فقهيـة ..والمقصـود منـها المطالبة بتطبيق أحكام الإسلام ..

   كانت الدوائر الاستعمـارية البريطانيـة والأمريكية ترقب الموقـف بالخـوف والحـذر من حدوث انفجار إسلامي في العراق ..لذا بادرت وبالسرعة الممكنة لجمـع شتاتها وربط خطوطها وتكوين ائتلاف بين الخطين :الأمريكي الذي يمثله الداوود والنايف ،والخط البريطانـي الذي يمثله احمـد حسن البكر ..وحـدث الانقلاب الاستعماري في (17-7-1968) الذي لم يكن يجرأ أن يعلن عن هويته وحقيقته لرفض الأمـة والجماهير وكراهيتها لهذه العصابة المنبوذة ..بعد أن جربتها أسوأ تجربة عام( 1963) ،وكان ناصـر الحانـي الملحـق الثقافي بالسفارة العراقية في واشنطن سابقا ، وسفير العراق في بيـروت بعدها،  هو حلقـة الوصـل بين المخـابرات البريطانيـة وحـزب البعث وقد تخلص البعثيون من عضو الارتبـاط هذا الذي عيـن وزيرا للخارجيـة في حكومتـهم فاغتالوه خـوف الفضيـحة والانكشاف ..وقد نشرت بعض وسـائل الإعـلام بعيـد الانقـلاب أن البكر تسلم صكا من المخابرات الأجنبية بربع مليون دولار .

ولم تمض من الانقلاب غير أيام حتى أرسل عبد الرحمن الداود إلى  القطعات العـراقية المرابطة في الأردن لزيارتها وأحيط النايف بخديعة لم يستـطع الإفلات منها .. فطرد من الحكومة .. وسيطر الخط البريطاني على الحكم سيطرة قوية ، وقد برر البعثيون  ذلك بأنهم فوجئوا في الساعات الأخيرة من الانقلاب بوجود النـايف والـداود معهم ، وأنهم تريـثوا وقبلوهم كشـركاء في الانقـلاب العسـكري مضطـرين ، ولا يخـفى على أحد مثل هذا التبرير المفضوح ..والمحاولة المكشوفة لتغطية الصراع بين الخطين :البريطاني والأمريكي .. وقد كشفت إذاعـة صوت العرب بأحد تقاريرها ..أنه بعد انسحاب القوات المصرية التي كانت تحمي القصر الجمهوري أيام الحكم العـارفي استطاعـت المخابـرات البريطانية من التسلل إلى السلطة والسيطرة على الحكم عن طريق عملائها البعثيين.

   وبدأ حكم البعث يعلن عن هويته ويؤكد كما جاء في تقرير المؤتمر القطـري الثامـن أن أحد أسباب الانقلاب هو تسلل القوى الرجعية (يعني الدينية )إلى مواقـع خطرة وخوفه من سيطرتها على الأوضاع  ..ثم أكد التقرير نفسـه أن العراق كان عام(1970 )أي بعد إنقلابهم بسنتين محسوباً على حصة بريطانيا وأنه على زعمهم قد خرج من هذه القبضة .

    ثم أخـذ هذا الحـزب العميل يخـطط لضـرب الحركة الإسلامية والإجهاز عليها ،فبدأ صراعه مع المرجعية الدينية وحزب الدعوة الإسلامية ..وبدأت عمليات الاعتقال والمداهمة وجمـع المعلومـات والتقـارير عن عناصـر حزب الدعوة الإسلامية والعلماء العاملين الآخرين .

وفي حزيران 1969م بدأ الحكم الإرهابي  هجومه على المرجعية الدينية المتمثلة آنذاك في الإمام الحكيم –رحمه الله –وعندها شعر حزب الدعوة الإسلامية بنذر الخطر وبداية المعركة .فقرر الرد على نظام السلطة التي كان يترأسها آنذاك احمد حسن البكر ونائبه المجرم السفاح صدام حسين فكانت المواجهة السياسية والجماهيرية الواسعة .

لقد اتخذ حزب الدعوة الإسلامية قرارا بالخروج بتظاهرات سياسية واسعة تنادي بإسقاط النظام ،وتدعو إلى إقامة دولة إسلامية .وانطلقت التظاهرات في مدن عديدة ،انطلقت في مدينة النجف الأشرف متوجهة إلى الكوفة وانطلقت في مدينة البصرة لمدة ثلاثة أيام متتالية تظاهرات جماهيرية هائلة وانطلقت تظاهرات حاشدة في مدينة الرميثة والسماوة ،فكانت تلك التظاهرات أول مواجهة سياسية لحزب الدعوة الإسلامية مع هذا النظام المجرم البغيض.

  وبدأت حملات الاعتقال والهجوم الشرس على حزب الدعوة الإسلامية وكان في طليعة من اعتقل الشهيد السعيد أبو عصام أبرز قادة حزب الدعوة الإسلامية الذي اعتقل عام 1970.

 واستشهد عام 1971 بألقائـه في حوض التيـزاب على يد المجرم ناظم كزار مدير أمن السلطة..  ثم صعد حزب البعث حملته وهجومه على حزب الدعوة الإسلامية في عامي 1972-  باعتقال وتعذيب العشرات من الدعاة حتى بلغ ذروته في صيف (1974)م حـيث وسـع من هجومه على الدعوة الإسلاميـة وعلى العلمـاء العامـلين  سواء  من كان منهم منتظما ًفي صفوف الحركة أو مـن لم يكن من العاملين في صفوفـها وكانت هذه الحملة بداية لإضعاف مرجعية الشهيد الصدر التي بـدأت تحتل موقعاً حيويا ًفي الساحة الإسـلامية ..وتأخذ موقعها الطبيعي ….

   ومما يذكر أن حديثا في بعض مواقع الدعوة  قد دار حول وضع الشهيد السعيد السيد الصدر صيف عام 1969م ..فكان التكهن أن القـوى الاسـتعمارية لا تتحمـل وجود مرجعية كالشـهيد الصدر بعبقريته الفكرية واهتمامه السياسي وروحه الحركيـة وأنه قد يقتـل ..فكان الحديث يدور حـول إمكانية خروج السيد الصدر من العراق والحفـاظ عليه..، ثم كانت الجريمة البشعة بإعدام الكوكبة النيرة من الدعاة المجاهديـن عـام (1974) الشيخ عارف البصري (أحد قادة حزب الدعوة الإسلامية).. والسيد عـز الدين القبانجي ،والســيد عماد الدين التبريزي ، والسيد نوري طعمة ، والسيد حسين جلو خان وكان الشهيدان الأخيران من ابرز مساعدي الشيخ عارف البصري في قيادة العمل ،وإعادة تنظيم الخطوط .. وبالإضافة إلى عدد من الدعاة الذين حكـم عليهم بالسجن المؤبد أو بمدد مختلفة ..

    وقد حدثت نتيجة هذه الهجمة الشرسة حالـة من الارتباك في خطوط التنظيم .. وتوقفت بعض الارتباطات التنظيميـة في الدعوة.. إلا أن ذلك لم يستمر إلا فترة قصيرة –شهورا معدودة –حتى أعيد تشكيل التنظيم المركزي وأعيد ارتباط خطوطه وبدأ العمل يشق  طريقه بشكل واسع ومؤثر ..بل وتضاعف نشـاط الدعوة  وتيـارها في أوساط الجمـاهير والجامعات والحوزة العلمية ..والجيش ، وقطاعات مختلفة من مواقع الأمة ومجال تأثيرها.

  وعند الحديـث عن المواجهـة بين أبناء امتنا وبين حزب البعث  الحاكم في بغداد لابد من إبراز أحداث انتفاضة صفر الجريئة عام 1397هـ (1977م) ومواجهة الجماهير العزل لوحشية العملاء والجواسيس وتحدي الحديد والنار ..وتساقط عناصر قيادية من حزب البعث أمثال عزة مصطفى  وفليح حسن والعامري ..فقد كانت هذه الانتفاضة الجريئة التي قدمت فيها امتنا عددا من أبنائها الشجعان صفارة إنذار ..ومؤشرا خطيرا للسلطة الغاشمة..وشاء الله أن تنطلق الثورة الإسلامية العملاقة في إيران بقيادة قائدها المظفر الأمام الخميني (رض) في الوقت الذي كانت الدعوة الإسلامية قد بدأت تجتاز المرحلة التغييرية –مرحلة البناء والتكوين –وتتقـدم نحـو مرحلـة الصـراع السياسي ..فكان هذا التزامـن له ابلـغ الأثر لتحريك الجـو السياسي وضرب أسـوار الإرهاب والدكتاتورية المتمثلة في حكومة البعث الحاقد ..

 وقد أحست دوائر الاستكبار العالمي أن وضعا جديداً قد نشأ في المنطقة وان عميلها العجوز احمد حسن البكر لم يعد قادرا على تنفيذ المـخطط الدمـوي الرهيب الذي اعـد في دوائر الاستخبارات الدولية ..بالإضافة إلى الصـراع بين الخطيـن المتنازعيـن ..خط احمد حسن البكر ،وخط صـدام حسـين فوجدت المخـابرات الأجنبيـة ضـالتها في شخصية تافهة ، وسلمت السلطة إلى صدام حسين وأحاطته بثلة ممن عرفوا بالأجرام والسقوط الاجتماعي وشكلت وزارة من المجرمين والحاقدين ..وكان من يوم تشكيلها واضحا أن العراق سيدخل مرحلة دموية ومحنـة رهيبـة للإسـلام والحركة الإسلامية وعلماء الإسلام ودعاته .

وكان واضحا لـدى المرجعية المتمثلة بالشهيد الصدر يومها ولدى حزب الدعوة الإسـلامية أن مرحلة جديدة من الصراع قد بدأت ..وان المعركة قد اوري زنادها على امتداد ساحة المواجهة–فأعلنـت مرجعيـة الشهيد الصدر موقفها –موقف التحدي والمواجهة والتنسيق مع حزب الدعوة الإسلامية ،وتقـرر أن تكـون قيادة التحرك والثورة بيده.....أعلنـوا جميعا الوقـوف إلى جانب الثورة الإسلامية التي كانت حلمـا يـراود الدعاة المجاهدين في كل مكان من عالمنا الإسلامي ..كما وقفت العناصر الخيرة إلى جانب هذا القرار ..

  وبدأ الشـهيد الصدر يقـود التحـرك فكانت أحداث رجب الكبرى عام1399هـ (1979م) .. ثم كـان الإعداد من قبل حزب الدعوة لتظاهـرة إسلامية كبرى ..تقرر أن تنطلق من الكاظمية ..وبلّغ حزب الدعوة الإسلامية عناصره في أنحاء مختلفة من العراق  وبدأ الدعاة والمجاهدون والمخلصون للإسلام وثورته ودولته يتجهون إلى بغداد لتبدأ الانطلاقة من هناك .وتتوجه التظاهرة المسـلحة إلى القصـر الجمهوري وتختـرق بغداد وتحـدث اضطـرابا وإرباكا للنظام وتكون  بداية المواجهة ..والذي وصل لدى الدعوة أن بداية الانطلاقة ..كان يمكن أن تبدأ باثني عشر ألف مجـاهداً ..إلا أن أسـبابا وظروفا عديدة ..كانت قد حـالت دون قيام هذه التظاهرة  وتوقف انطلاقها ..كما توقف التجمع ..وتحركت قوات الاستخبارات والعناصر الحزبية التابعة لعصابة السلطة واحتلت المنطقة وطوقتها قبل الوقت المحدد..

  وحين خشيت الدوائر الاستعمارية أن تفقـد سيطرتها على الموقـف في العـراق …وإن تصـاب بضربة قاصمة كما ضربت في إيران بقيادة الأمام الخميني (رض) ..أقدمت على جريمة بشعة لم يقدم عليها أي نظام أو سلطة مهما توغلت في الأجـرام والوحشيـة فأعدمت (96) كادرا ًمن ابرز كوادر حزب الدعوة الإسلامية في  17\1\1980، ثم أصدرت بيانها المشؤوم في 31\3\1980 الذي نص علـى إعدام  كل من ينتمي إلى حزب الدعوة الإسلامية أو يروج لأفكاره ،فأقدمت على مذبحة لم يشهد لها العراق مثيـلا من عـهود هـولاكو وحتى الآن ..وقد نفذ القرار الظالم بكل وحشية وحقد اسود ..

وكان في طليـعة  من استشهد في هذا القرار الجائر الشهيد السعيد المرجع الديني السيد محمد باقر الصدر فكانت شهادته (رض) يوم 8\4\1980 والتـي نقلت الصراع إلى مرحـلة جديدة ،ثم اسـتمرت المذابح الوحشـية في الدعاة و العاملين الإسلاميين ، سواء من انتظم منهم في صفوف الدعوة ومن لم ينتظم ..فقـدمت امتنا عشرات آلاف من الشـهداء ،ودخل السجن وشرد مئات الآلاف بتهمـة الانتمـاء إلى صفوف حزب الدعوة الإسلامية ..تلك ((التهمة ))التي ثبتتـها دوائـر المخابرات البريطانية والأمريكية والصهيونية،ونفذ هذا القرار العدواني نظام صدام حسين العميل  ،فدخل العراق ملحمة صراع دموي وإرهاب بوليسي يفوق إرهاب ستالين وبوكاسو وهتلر وبيغين الإرهاب الأمريكي ضد الهنود الحمر وماركوس في الفلبين ..

    وهكذا بدأ الصراع ودخلت امتنا مرحلة مواجهة حاسمة مع القوى الاستعمارية وخطوطها وأذنابها على امتداد مساحة المواجهة .

أن دوائر الاستخبارات الاستكبارية وأداتها الذليلة –المتسلطة على الشعب العراقي– لم يقدموا على مثل هذه الهجمة السافرة ضـد حـزب الدعـوة الإسلامية إلا لخوفهم من أصالة هذه الحركة وعمق ارتباطها بالأمة ودقة تنظيمها ..

  لقد جـاء إصـدار قرار إعدام الدعاة تنفيذا لمقررات زيارة مسؤول بريطانـي واجتمـاعه بصدام حسين دون علم من أحد من مسؤولي السلطة والحزب بمقررات الجلسة وبموعد الاجتماع ،والذي انكشف فيما بعد .

فقد زار جـورج براون وزيـر الدولـة للشؤون الخارجية البريطاني العراق في تموز عام 1979 وقرر إقالة احمد حسن البكر وتعييـن صـدام حسـين بدلا منه ..كما وضع الوزير البريطاني خطـة عمـل لنظام صدام حسين  تتضمن كيفية مواجهة الحركة الإسلامية ..فأعاد إلى ذهن النظام المجرم أن القوى الاستعمارية أخطأت في مواجهـة الثورة الإسلامية في إيران ،وعليها أن لا تعيد الخطأ،ثم لخص الموقف بنقاط :

1-ضـرب المعـارضة الإسلامية واستئصالها قبل التحرك ،وكان نتيجة لذلك أن صدر بيان الإعدام لكل من ينتمي إلى حزب الدعوة الإسلامية أو يتعاطف معه أو يـروج لأفكاره .

2-في حالة احتمال انتصار القوى الإسلامية لابد من اللجوء إلى تدميـر المنشئات الحيوية في البلاد لأضعـاف النظـام الإسلامي وإحداث مشاكل اقتصادية له والضغط عليه .

3-لا ينبغي التسـليم الكامل للنظام الإسلامي بـل لابد من المقاومة وتقسـيم العراق كما قسمت فيتنام وكوريا وأمثالها والتحصن في بعض المناطق وخوض حـرب عـدوانية ضد الوضع الإسلامي الجديد ...لذلك أوعزت الدوائر الاستعمارية إلى نظام صدام حسين  أن يعلن الحرب على حـزب الدعوة الإسلامية في العراق وعلى الجمهورية الإسلامية في إيـران في آن واحد ..بعد أن تعهدت له القوى الاستكبارية وعملاؤها  بإسناد هذا العمل العدواني …والوقوف إلى جانب نظام صدام حسين بشـن هـذه الحرب ضد حزب الـدعوة الإسلامية وضد الثورة الإسلامية في إيران ..وقد جـاء ذلك واضحا وصريحا في تقرير المؤتمر القطري التاسع المنعقد في بغداد ( حزيران 1982) جاء في هذا التقرير:

1-((أن عناصر حـزب الدعـوة التي استطاعـت في إطار الظروف التي سيتم تناولها في الفصل الخاص بالمسألة الدينية أن تبني تنظيما لا بأس به من الاتباع ويمتلك قدرا متميزا من الفعالية والجـرأة قد صورت لزمـرة خميني في إيران بأن النظام الثوري في العراق ضعيف ،وبأن الصدام مع العراق ،ومن ذلك الحرب معه ستؤدي إلى إرباك الثورة وإسقاطها )).

2-((ولم يبق هناك من لا يريد أن يعترف بهذه الحقيقة (فشل الثورة الإسلامية )سوى نفر ضئيل من الذين تورطوا معها وارتبط مصيرهم بمصيرها ،سواء من اتبعها في إيران أو في الوطن العـربي مـن أمثال حافظ أسـد ،وبعـض عصابات حزب الدعوة وأمثالهم من الحاقدين والموتورين )).

3-((أن الخلاصة  التاريخية للتجربة الإيرانية تشـير إلى أن الظاهرة الدينية –السياسية –يمكن أن تكون طـاقة تدمـيرية هائلة إذا توفرت لها ظـروف ملائمـة ،ويمـكن لهذه الطاقة التدميرية  أن توجـه باتجاه تقدمـي في صفحات خاصة من حركة التاريخ إذا ما استخدمت ضد نظام رجعي ودكتاتوري فاسد مرتبط بالإمبريالية وبالصهيونية كنظام الشاه ،وإذا ما استخدمت ضد احتلال استعمـاري أو خطـر أجنبي  محدق بالبلاد)) .

4-((وبسبب الطبيعة العراقية الموروثة المشحونة بعـواطف التطرف وردود الأفعال يمكن لهذا الموقف السلبي أن يتحول إلى موقف عدائي إذا ما استثمرته قوى خبيثة ومنظمة تسعى ضمن مخطط واسع النطاق لتعويق مسيرة الثـورة والقضاء عليها ..

ويشكل الدين والتدين وعاء أو مناخا ملائما تماما لاستقطاب الحالات السلبية المشـار إليها ،ففيها يجد الفرد المعقد من التحولات الاجتماعية راحة نفسية  وخلاصـا من حالة القلق والتوتر التي يعانيها إزاء هذه  التحولات وفي هـذه الظروف بالذات يمكن للأحـزاب الدينية –السياسية أن تسـتثمر هذه الظواهر لصـالحها وان تستقطب عددا من الشـباب وتدفعهم لتحـقيق أغراضها ،وهذا ما حـدث بالفعل للعـراق ،فحزب الدعوة قد استثمر حـالات القلق والضياع لدى بعض أوساط الشباب وشحنهم شحنا دينيا وطائفيا متعصبا ضد  الحزب والثورة ، ثم دفعهم وهـم في سـن المراهقة إلى الأعمال الإرهابية ..))

5-((…برغم كـل هذه الحقـائق البـارزة ..كانت المرحلة السابقة تفتقر إلى الاستمرارية بخط مطرد ومتصاعد ضـمن مقاييس تضع في إشعاعها كل المتطلعين للأمام والباحثين عن ملء الفراغ والبطولة والمجد ..))

6-((وقد ركـزت الأحزاب الدينية السياسية وبخاصة حزب الدعوة على هذه الفئة واصطادتها في فخاخها ووعدت الشباب منهم بالمعارك الساخنة والتحديـات الملحمية ،ولابد أن نشير إلى أخطاء قد ارتكبت في أساليب تنظيم الشباب والطلبة مما دفع قسمـا من هـؤلاء إلى الوقوع في شراك حزب الدعوة والحركة الدينية –السياسية الأخرى )).

7-((….نشأ في عام (1979) جو عاصف حول التجربة الإيرانية فيه الإعجاب ،والتهويل والتصاغر أمامها ،وفيه –بين أوساط رجعية ويمينية خاصة –حالة من القلق بل الذعر .أن هذه الظـروف شجعت الأوساط الدينية –السياسية في العراق وبخاصة حزب الدعوة الذي كان على صلة وثيقـة بخميني أثناء أقامته في العراق على الانتقال إلى مرحـلة التصدي للسلطة الثورية بأساليب العنف والتخريب على نطاق شبه مكشوف وهستيري ،فقد انتقلت قيادة هـذا الحـزب إلى إيران …ظانة أن هذه الأعمال يمكـن أن تخلخـل الوضـع الثوري في البـلاد ،وتثير فتنة طائفيـة فيها تمهـيدا لإسقاط الثورة وإلحاق العراق بإيران كولاية تابعة لها تحـت قيـادة خميني واتباعه .وخلال فترة قصيرة من الزمن حشد الحزب و الثورة حملة عامة ضد هذه العصابة وضـد نظـام خميني الذي وقف وراءها ..

   ولقد واجه الحزب محاولات هذه العصابة بمـوقف مبدئي وطني قومي ،وخيب آمال هذه العصابة ونظـام خميني الذي يقف وراءها …))

8-وفيما يخـص الظاهرة الدينية –السـياسية التي مارسها بصورة رئيسية ومعادية حزب الدعوة في هذه المرحلة هناك ظروف خاصة مضافة )).

9-((وعصابة حزب الدعوة منها بصورة خاصة قد أصبحت معزولة تماما عن الجماهير وان فعلها المضـاد هو مجـرد  فعل وخطـر ((فني ))لما يحتـمل أن تقوم به مـن أعمال إرهابيـة و تخـريبية ضد الأفراد والمؤسسـات والتجمعات الجماهيرية )).

10-((إن الظاهرة الدينية –السياسية لن تنتهي تماما …إنها لن تصـاب بنكسـة قاضية إلا مع سقوط التجربة الخمينية سقوطا كامـلا ونهائيا ….وعليـنا أن نتوقع  بأنه حتى مع سقوط هذه التجربة التي ستقصم ظهر التجربة الدينية السياسية ليس في العراق وحده وإنما في كل بلدان المنطقة ،فأن هذه الظاهرة لن تختفي تماما عن المسرح السياسي والاجتماعي ))

((…من الخطأ أن نتصور بأن الظاهرة الدينية –السياسية في العراق هي فقط ظاهرة مرتبطة بالمـذهب الجعفري،أن هذه الظاهرة موجودة فعلا بين بعض اتباع المذهب السـني الذين يقفون كأقرانهم في عصابة الدعوة ضد الحـزب والثـورة ..ولكننا إزاء أي حالة من هذا النوع  يجب أن نضع أسبقيات موضوعيـة في أساليب المواجهـة المضـادة حسب درجة الخطورة التي تشكـلها الحـالة المعينة ونوع الأساليب التي تستخدمـها ضد الحزب والثورة )).

11-((أن بعض الحزبيين صاروا يمارسون الطقوس الدينية بصـورة مظهرية ،شـيئا فشيئا صـارت المفـاهيم الدينية تغلـب على المفاهيم الحزبية عند معالجتهم للقضايا الأساسية في الفكر والتطبيق وشتى النواحي التي يواجهها الحزب في عملية التغيير الثوري الشاملة )).

12-((كما أن شيوع الممارسات الدينية المفتعـلة لدى بعض الحزبيين ونزول هذه الظاهرة إلى مستوى الأنصار والمؤيدين قد خلفا حالة من التداخل النسبي بين قاعدة الأحزاب الدينية –السياسية فهذا الفرد وذاك يمارسون الممارسـات الدينية في وقت واحد أحيانا في أمكنة واحدة فتتقارب مفاهيمـهما إزاء بعض المسائل والقضايا الفكرية والاجتماعيـة والنفسية،وقد أسهمت هذه الحالة في أضعاف يقظة الحزب إزاء الظـاهرة الدينية السياسية والمعادية في البلاد )).

13-((وقد تكـررت تحـذيرات الرفيق صـدام حسين في مناسبات عديدة وقالها في القيادة وفي اجتماعـات الكادر كما نشر له حديث خاص بهذه المسألة بعنـوان (نظرة في الدين والتراث ) ومن الضروري هنا تسجيل أسف القيادة لان هذه التحذيرات لم تؤخذ بالجدية المطلوبة )).

14-((وقبـل ذلك علينا :أن نتسـاءل إذا كـانت مفــاهيم وممارسات التدين قد اعتبرت من قبل بعـض الرفـاق بديلا أخلاقيا أو  عقائديا عن حـزب البعث الاشتراكي وسبيلا لكل المشاكل الجوهرية في الحياة ،فلمـاذا اختـاروا حزب البعث العربي الاشتراكي ….ولماذا بعد أن قطعوا شوطا طويلا في الحزب يريـدون فرضـها عليه أو إشاعتها فيه من دون أن يكون لذلك أسـاس في عقيدة الحزب ،وفي تقاليده ،ومن دون أن تقر هذه المفاهيم والممارسات من قيادة حزبية مسؤولة أو من مؤتمر حزبي مسؤول ؟)).

16-((أن المطلوب منا هو أن نكون ضد تسييس الدين من قبل الدولة والمجتمع ،وضد إقحام الثورة في المسالة الدينية وان نعود إلى اصل عقيدتنا …)).

17-((كما قلنا سابقا أن الظاهرة الدينية السياسية ليست جديدة ،ومنذ أن قامت الثورة واجهت هذه الظاهرة ومواقعها العدائية المختلفة ،وقبل الثورة في إيران حصلت مواجهات مباشرة وعنيفة بين الحزب والثورة من جهة ، وبين الجماعات الدينية السياسية من جهة أخرى )).

   أن دراسة تحليلية واعية تستبطن العمق البعيد لهذا التقرير وتشخص أفكاره وأسسه وتحـديد المفاهيم والأسس النظرية لموقف حزب البعـث الحـاكم في بغداد الفكري والسياسي والإرهابي والعسكري والعـدواني ضـد الرسالة الإسلامية  ..أن دراسة كهذه وربط كافـة الخطوات والمواقف المعادية للثورة الإســلامية ولحزب الدعوة الإسلامية من قبل بعض الكيانات والعنـاصر والأنظمة المعادية للإسلام أو الضالعة في ركابها تضـع أمـامنا صور الصراع الاستعماري ضد حزب الدعوة الإسلامية على امتداد فترة تسلطه على العراق  ..

 كما ذكر التقرير البعثي ذلك مشيرا إلى المواجهة الحادة بين حزب الدعوة الإسلامية وحزب البعث  منذ عام( 1969  )  وتصعيد الموقف العدواني باستشهاد الشهيد أبى عصام عضو القيادة العامة لحزب الدعوة الإسلامية ..وتنفيذ حـكم الإعـدام بالشـهداء الخمسة الشيـخ البصري واخوته الأبرار..وتصعيد مواقف الاعتقالات والحجز غير المحدد في سجون الأمن العامة والفضيلية والديوانية وأبو غريب وأمثاله منذ عام (1972) أن دراسة هذا التقرير تضع أمام الدعاة و أبناء أمتنا مزيدا من الوضوح والمعـلومات وتكشف المخطط الإرهابي ضد طليعة الجهـاد الإسلامي في العراق (حزب الدعوة الإسلامية ) وتنبئ بمستقبل الصـراع .. كما تضـع الإشارات والعلامات المميزة للعناصر المشبوهة والقوى التي تتحرك ضد تيار الحركة الإسلامية وتسـاهم بتنفيذ المخطط الاستعماري في الهجوم على هذه الحركة الإسلامية ومحاولة تعويق مسيرتها .

   أن التدقـيق في نصـوص التقرير  يكشـف رغم اللف والغمـوض اللفـظي  والتعقيد ومحاولات التخفي في تسجيل نظريـة حـزب البعـث الحـاكم ومخططه المعادي للإسلام وطلائع الجهاد تكشف لنا نقاطاً أساسية هي :

1- في المقطع رقم (1) الاعتـراف  بفاعليـة وقوة وتنظيم حزب الدعـوة الإسـلامية وتميـزه بالقوة والمتانة والتأثير والجرأة والأقـدام ، مما اضطـره إلى أن يسمي نشاط حزب الدعـوة الإسـلامية وجرأة عناصره ((بالمتميز)) ،((ويمتلك قدرا ًمتميز ًمن الفعالية والجرأة ))

2- وفي المقطع رقم (4) نقرأ خوف نظام صدام حسين - المعبر عن خوف الدوائر الاستعمارية - من الحركة الإسلامية المنظمة ، وهلعه منها .. الأمر الذي يكشف لنا عن الخيوط الاستعمارية والبؤر التي تنطلق منها محاربة الحركة الإسـلامية المنظـمة والدعوة المشبـوهة  لمواجهة التنظيم الإسلامي لتعويم الساحة الإسلامية وـترك الأمة تعيش حالة من العفوية والبعثرة والارتجال ، مما يكشف سرا خطيرا لم يستطع التقرير كتمانه وإخفاءه وهو وحدة المخطط والأدوار الموزعة على العملاء لضرب الحركة الإسلامية المنظمة في العراق .كما يوضح الرقم (3) و(4) الخوف من قوة الإسلام العظيمة التي  يسميـها التقرير بالقوة التدميرية والتقدمية في بعض صفحات التأريخ .. والتقـرير لا يخفـي خوفه من أنطلاقـة الشـعب العراقي وطبيعته الثورية  والتي يمكن للحركة الإسلامية - كحزب  الدعوة الإسلامية-  التي أشار إليها التقرير بالنص أن توجهها وفق تعبئة جهادية مخططة ومنظمة وتجهز على النظام الدموي المعادي للإسلام .ويتحـدث التقـرير في المقطع رقم (7) عن تحول حـزب الدعـوة الإسـلامية ، وانتقاله إلى مرحلة التصدي والعنف الثـوري التي سـماها حزب الدعـوة الإسلامية (مرحلة الصراع السياسي ) ، والمواجهـة المكشـوفة لإرهاب الطغاة القتلة، وقدرة حـزب الدعـوة الإسلامية على تعبئة طاقات الشباب  في السـاحة العراقيـة وتحويـل هذا التأثـير إلى عمـل ثوري جريء وعنيف ضد النظام الإرهابي السفاح..

   ثم يحاول التقرير أن يغطي هلعه وخوفه من حزب الدعوة الإسـلامية الذي أسـهب في الحديث عنه وعن قـدرته على تعبئة طاقات الشباب وقوته وجرأته ..وتفاعله مع  الجماهير وإمكانية توجيه القدرة الثورية فيها ..ورغم كل ذلك حاول أن يخـفي هذا الهلـع مخافة تعميق الخوف في نفوس عناصره فراح يقنعهم بقدرته على تحجيم حزب الدعوة الإسلامية وان خطره اصبح مجرد خطر(( فني )).

 

   3-وفي المقـطع رقم (8)و(9) يتحدث التقرير عن عمق الممـارسة الدينية للاتجاه السـياسي الإسلامي …والتناقض الحاد بينه وبين حزب البعث الصليبي الحاكم ليشخص حقيقة العـداء والصـراع الدمـوي والعـقائدي بين طليعة الجهاد الإسلامي وبين الاتجاه اللاديني الذي ينطلق منه نظام المجرم صدام حسين …

  وهو في المقطع رقم (10)و(11) يـؤكد لمؤتـمر النظام الحاكم عـدم قـدرة أيـة قوة أن تستأصل التيار الإسلامي وتقضي عليه …..ويشرح أسباب الهجمة الوحشية الاستعمارية على حزب الدعوة الإسـلامية دون غيره والدخول ضده بحرب دموية سـافرة وان حزب الدعوة الإسلامية هو مكمن الخطر ويمتلك أسـاليب  مؤثرة في المواجهة ويشكل خطورة على وجوده البغيض .

4-ونكتشف في المقطع رقم (14،13،12) سـر الخـوف والهلع من حزب الدعوة الإسلامية …وهو أن مفاهيم الحزب وأفكـاره غزت صفوف حزب البعث بحيث كون هذا الغزو تيـارا مـؤثرا بين صفوف حزب البعث العفلقي ….ثم يعيد التقرير إلـى الأذهـان التحذيرات والمخاوف من تعاظم هذا التيار … .فالتحذيـرات   كما يشير التقرير كانت تقدم للقيادات وللكادر المتقدم ..وأنها لم تلق أذنا صاغية ،لذلك يسجل التقرير اسفه وخوفه وهلعه ..

وقد كـان ذلـك تنبؤاً حقيقياًً أثبتته انتفاضة (15)  شعبان والتي ساهمت فيها مسـاحات مهمـة من المنتمين لحـزب البعث ،والذين انضموا إلى حركة الشعب ومطالبته بالبديل الإسلامي كمنقذ للعراق مما آلت إليه سياسة الطاغية المجـرم صـدام حسين.

5-وفي المقطع رقم (17،16،15) يثبت التقرير بصراحـة ووضوح مكشـوف كفره بالإسلام ورفضه للعقيدة والأخلاق وطريقة التفكير الإسلامية ….وينادي بالعودة إلى أصل عقيدة البعث الحاكم  اللادينية .

 وهكذا يشخص لنا التقرير ملحمة الصراع بين حزب الدعوة الإسلامية وبين النظام الحاكم  ، ويحـدد لنا معالم الصـراع المستقبلي .

أن هذا التقـرير يعبر عن حقيقـة ميدانية تكشف عن عمق الصراع خلال ثلاثة وثلاثين عاما مع حزب الدعوة الإسلامية ، لذا فهو يشخص مواطن الخطر والقوة والخطة الاستعمارية لمجابهة حـزب الدعـوة الإسـلامية  .. التي يمكن إبرازها بالنقاط التالية :

1- دقة التنظيم والتخطيط في حزب الدعوة الإسلامية

2-الجرأة والأقدام لدى الدعاة المجاهدين .

3-تبني العمل الجهـادى والكفـاح المسلح ضد نظام القتلة المجرمين.

4- القدرة علـى توجيه الطبيعة الثورية في الشعب العراقي

5- الكادر المثقـف وإقبال الشباب على تنظيم حزب الدعوة الإسلامية.

6- وجود نظـرية عمـل فكـري وسياسي إسلامي واضحة المعالم تتناقض والفكر العلماني الذي يتبناه نظام صدام حسين .

7-قوة تيار حزب الدعوة الإسلامية الفكري والثقافي .

 أن الشـيء الذي نحذر منه  ونلفت أنظار امتنا إليه ان المخطط الخبيث ضد الاسلام والحركة الاسلامية وجد وسوف يجـد من الـذين في قلوبهم مرض من يعمل له من خلال :

1- محاربة الحـركة الإسلامية المنظمة والعمل على  تحجيمها وأبعادها وتزييـف جهـادها وتشويه سمعتها ، لأن اعداء الاسـلام  يخشـون من وجـود حركة منظمة مخططة تقوم بتوجيه الطبيعة الثورية للشعب العراقي،وتعبئ طاقات الأمة.

  وهذا ما نجـده بوضـوح في الحـرب الدموية ضد حزب الدعوة الإسلامية وإصـدار القرارات بإعـدام من ينتمي إلى حزب الدعوة أو يـروج لا فكاره ويتعاطف معه .. وبالحرب التضـليلية الدعـائية المعـادية لجهـاد حزب  الدعـوة الإسلامية وبصيغ وأساليب وكيفيات متعددة ..     

2- طرح البدائـل المشبوهة والعناصر المزيفة ومواجهة الحركـة الإسـلامية الأصيـلة بالاطـروحات ومحـاولات الأضعاف والتحجيم.

محطات في المسار:

 بعد هذا العرض الموجز والتعريف بنشأة وتأسيس حزب الدعوة الإسلامية فمن المفيد أن نبلور مراحل المسار حسب الظروف التي أحاطت بالدعوة ونوع الأنشطة والأحداث والممارسات التي مارسها حزب الدعوة الإسلامية ومواقف السلطة الغاشمة من هذه الحركة الإسلامية .

 إن القراءة التحليلية تكشف عن أن طبيعة الأحداث والمسار والأوضاع السياسية والجهادية والفكرية يمكن تلخيصها بالآتي 1-الفترة الممتدة من بداية التأسيس وحتى عام 1969 وهي مرحلة بناء الحزب واكتمال نظريته ،وإنضاج معظم مستلزمات المرحلة التغيرية الأولى.

  لقد اتسمت هذه المرحلة بالأنشطة الثقافية والفكرية وتعميق الوعي الإسلامي والتفاعل الجماهيري مع المشروع الإسلامي .2-الفترة الممتدة من عام 1969،وحتى عام 1979،وفي هذه المـرحلة بـدأت المواجهة بين حزب الدعوة الإسلامية وبين النظام الحاكم . إذ بدأت هذه المواجهة بأحداث 1969 –كما أشرنا- وامتد الصراع عنيفا وشرسا عبر هذا العقد من الزمن ،متمثلا بالسجون والاعتقالات والاعدامات والتشريد وهجرة الدعاة إلى الخارج .

3-الفترة الممتدة ما بين 1979-1990 وفي هذه المرحلة اتخذت المواجهة طابعا سياسيا جماهيريا وكفاحا ضد السلطة الإرهابية المعادية للامة وعقيدتها ومصالحها .

  وتميزت بمشاركة المرجعية الدينية في المواجهة المكشوفة ضد النظام . فقد بدأ الشهيد الصدر –رض- المواجهة وقيادة الجماهير للإطاحة بالنظام ،إذ كانت بداية هذا الموقف الجماهيري هي انتفاضة رجب الخالدة .عام 1979، وإصداره فتوى بوجوب الإطاحة بنظام صدام حسين جاء فيها : (( فعلى كل مسلم في  العراق وعلى كل كل عراقي في خارج العراق أن يعمل كل ما بوسعه –ولو كلفه ذلك حياته-من اجل إدامة الجهاد لإزالة هذا الكابوس عن صدر العراق الحبيب ،وتحريره من العصابة اللاأنسانية ،وتوفير حكم صالح وشريف يقوم على أساس الاسلام.)) وكان من ابرز معالم هذه المرحلة الحرب التي شنها صدام حسين على الجمهورية الإسلامية 22/9/980م  وآثارها وانعكاساتها على طبيعة الصراع بين نظام صدام حسين والحركة الإسلامية في داخل العراق ،وقد تميزت هذه الفترة بتبني حزب الدعوة الإسلامية الكفاح المسلح للإطاحة بالنظام الإرهابي كموقف دفاعي لإيقاف نزيف الدم وإنقاذ العراق من كارثة محققة ،كان حزب الدعوة الإسلامية قد شخصها مبكرا وكانت هذه الفترة من اكثر الفترات قساوة وعدوانية فقد استشهد فيها الآلاف من الدعاة والمجاهدين وشرد وسجن مئات الآلاف.... وتشهـد الوثـائـق وسجلات الشهداء والسجناء بذلك ،غيـر أنها كانت فتـرة تفـاعل الأمة مع تيار الحركة الإسلامية بشكل واسع وغير معلن .وفي هذه المرحلة مارس حزب الدعوة الإسلامية العمل السياسي ضمن إطار وأنشطة إسلامية موحدة ،كما دعا فصائل المعارضة على اختلاف تياراتها ومتبنياتها إلى أن توحد مواقفها للإطاحة بالنظام وتكوين وضع سياسي ائتلافي ، وجسد حزب الـدعوة الإسلامية هـذه النظرية ببيان التفاهم الذي صدر عام 1980 وإصدار منهاجه السياسـي ، وفي الحـوارات السياسية مع العديـد من فصائل المعارضة العراقية  .

4-الفترة الممتدة ما بين 1990-2000 وقد تميزت هذه الفترة بأحداث وتحولات كبرى في أوضاع الدعوة والنظام والحالة الجماهيرية والمرجعية الدينية في العراق ،ويمكننا أن نجمل ابرز أحداث المرحلة تلك بما يلي :

أ-في هذه الفترة اجتاح نظام صدام حسين الأراضي الكويتية واحتلها في آب 1990 م وورط العراق بحرب مدمرة مـع أمريكا وحلفائها انتهت بتدمير العراق وتمزيق العالم العربي ،وتمـرير مشروع السـلام مع إسرائيل ،واستسلام العراق للحصار والنفوذ الأمريكي ،وقرارات مجلس الأمن ،وهيمنة أمريكا على المنطقة عسكريا وسياسيا واقتصاديا .

ب- ومن ابرز أحداث تاريخ العراق السياسي في هذه الفترة هي انتفاضة شعبان الإسلامية الكبرى التي انطلقت في 15شعبان /آذار /1991م والتي شاركت فيها الجماهير بشعاراتها ،وأهدافها الإسلامية ،وحررت مدنا ومناطق عديدة شملت معظم المدن العراقية وكادت تطيح بالنظام لولا تعاون القوات الأمريكية مع النظام ،وفسح المجال أمام قوات نظام صدام حسين التي كانت تحاصرها قوات الحلفاء لضرب الانتفاضة الجماهيرية التي كانت تنادي بالحرية وإنقاذ العراق ، والعودة إلى الإسلام منهجا ونظاما للحياة .

  وقد كشفت تلك الانتفاضة الخالدة عمق تفاعل الحركة الإسلامية والمبادئ الإسلامية مع الشعب العراقي بأسره .

ح- وفي هذه المساحة الزمنية تطورت المواجهة مع النظام من مواجهة حركية محدودة كان يمارسها حزب الدعوةالاسلامية ،وبعض المجاميع الجهادية ،إلى مواجهة جماهيرية شاملة على امتداد العراق ، وكانت منطقة الاهوار في الجنوب قاعدة محررة للجهاد وعمليات الردع والمواجهة المسلحة للنظام الإرهابي السفاح خلال هذه الفترة ،حيث لجأت مجاميع من الدعاة المجاهدة إلى الاهوار منذ عام 1981م وكونت قواعدها ومثاباتها هناك ،كما كانت لهم قواعد جهادية في شمال العراق .

د-ومن الأحداث الهامة التي تفاعلت  في ظروف هذه المساحة الزمنية وأثرت في مسار العمل السياسي هو تحول المنطقة الكردية من شمال العراق إلى منطقة آمنة تحت حماية قوات الحلفاء .

هـ- ومن ابرز الأحداث التي ظهرت على الساحة في هذه الفترة هي تدخل القوى الدولية في شؤون المعارضة العراقية والتبني الأمريكي لبعض مشاريع وفصائل المعارضة العراقية ولقد كان لحزب الدعوة الإسلامية رأيه الواضح الذي مازلنا نؤكده وهو وجوب استقلال قرار المعارضة العراقية عن أي تأثير خارجي ، كما يجب أن ينطلق قرارها  من مصالح العراق ومبادئ الشعب العراقي وأهدافه في الحرية والكرامة .

و- ومن الأحداث الهامة في مسار الحركة الإسلامية في العراق هي ظهور قيادة الشهيد آية الله العظمى السيد محمد محمد صادق الصدر –رحمه الله – من عام 1997 م حتى عام1999 والتفاف الجماهير من حوله واستشهاده في شباط 1999م وتواصل عمليات الكفاح الجماهيري الواسع ومقاومته للنظام الإرهابي العميل .

 وفي خضم تلك الأحداث المتتالية على ارض العراق وشعبه كان لحزب  الدعوة الإسلامية دوره المركزي والأساسي في مقاومة سياسة النظام الإرهابية والتدميرية للعراق،والعمل الدؤوب على إنقاذ العراق ونشر الفكر الإسلامي وتعميق وعي الجماهير ،ومكافحة الإعلام التخريبي والحرب النفسية ومحاولات تمزيق المعارضة الإسلامية ،والحرص على استقلال المعارضة العراقية وتنسيق جهودها .

  ما قدمناه كان لمحة موجزة وسريعة ، لمقطع مشرق من تاريخنا المعاصر سطرته نخبة خيرة من ابناء امتنا الاسلامية قدمت فيه وفي الختام نؤكد لأبناء أمتنا في العراق ، ونعاهد الشهداء الأبرار والمعذبين في ظلمات السجون ، اننا سنواصل العمل دونما تلكؤ او ضعف أو تراجع حتى إنقاذ العراق من الظلم والاضطهاد والدمار ، ليعيش في ظلال الإسلام حراً كريماً.

"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"

 

 

                                     حزب الدعوة الإسلامية

                                     17\ربيع الثاني\1421هـ